مناعة المؤسسة في خطر .. جامعة بيرزيت مثالاً

إذا كان حال المجتمع بائسا وعاثرا، فأول ما يتبادر الى ذهن المرء هو حال الجامعات في البلد، فإذا كانت بخير فإنه يمكن تجاوز البؤس والتعثر، يمكن التغلب على الاختلالات والمشاكل في آخر المطاف.أما إذا كان حال الجامعات بائسا وعاثرا فأغلب الظن ان المجتمع يعيش أزمة عميقة لا حلول لها.الجامعات دائما تعاند الوضع البائس ترفضه وتقاومه وتنتصر لارادة التطور والتقدم.لذا تسمى الجامعة منارة للحرية في مواجهة الظلام وتقدم المهنية في مواجهة الارتجال، وتعتمد النظام في مواجهة الفوضى، والتعدد والديمقراطية في مواجهة التعسف والبطش. وتبقى الجامعة ملتقى للعقول والبحث عن الحقيقة واختراع الحلول. للاسف يتكرر تعويم الجامعة مع خارجها المهلهل، الى المستوى الذي تنتفي فيه خصوصيتها ودورها المأمول.للاسف تسود فوضى المعايير ولا يحترم النظام ولا القانون. للاسف يسود خطاب شعبوي كنقيض لخطاب العقل.نحن في خطر في خطر كبير لأننا نطفئ بأيدينا مناراتنا وننتظر الظلام والفوضى دون قلق.
بعيدا عن الاسباب والاهداف، عندما تغلق بوابات جامعة بيرزيت بالجنازير ويمنع الطلبة وطاقم التدريس والادارة والموظفون والباحثون والعاملون في المختبرات من دخولها، فإن شيئا فادحا ورهيبا ومقلقا ومثيرا يحدث. الجنازير فال شؤم لانها ترمز للاحتلال والارغام والسيطرة.
وإغلاق بوابات الجامعة يرمز لإغلاقات المدن والمخيمات والقرى التي عانيتم منها اكثر من غيركم.وخسارة 8 أيام تدريس لـ 11 الف طالب وطالبة لا تقدر بثمن. ثم إن اختيار اسلوب الاغلاق من قبل مجموعة من الطلاب باعتبارهم يمثلون 11 الف طالب وطالبة او اكثريتهم يتنافى مع الديمقراطية.
ثمة فرق جوهري بين قيام مجلس الطلبة بالدعوة للاضراب والاحتجاج والاعتصام، وتكون استجابة الطلبة هي العنصر الحاسم في نجاح او فشل الاضراب، وبين فرض الاضراب من خلال إغلاق بوابات الجامعة.
إن فرض الاضراب بهذه الطريقة هو نقيض الديمقراطية ويسيء اليها ويهدد باستبدال التقاليد الديمقراطية بتقاليد إكراهية. إن الاغلاق دليل عدم ثقة المجلس والكتل الطلابية بالطلبة وبمواقفهم، دليل انفصال المجلس والكتل عن الجسم والقاعدة الطلابية العريضة، وإذا كان لديكم اقوالا أخرى، إذا كنتم تثقون بالطلبة فدعوهم يقررون، يستجيبون أو لا يستجيبون.
الالتزام بالمشروع النهضوي كما يقول بيان حركة الشبيبة الفتحاوية جيد ومشجع لكنه ليس مجرد كلمة تقال او شعار، انه يعني وقبل كل شيء الالتزام بالديمقراطية والدفاع عنها ضد كل انتهاك، واحترام القانون والنظام والحفاظ على المسيرة التعليمية ورسالة الجامعات والتعامل بمسؤولية.
ولا يمكن اختصار دور الطلبة بالدعم من طرف المؤسسة ضمن علاقة أحادية الجانب.الدعم والعطاء إذا لم يكونا متبادلين فإنهما لا يقلعان.
لقد قدم الطلبة اليساريون والكتيبة الطلابية الفتحاوية (الجرمق) في لبنان مثالا رائعا في الاندفاع الثوري الواعي والمبادر في تجسيد ثقافة العطاء والتفاني وفي بناء ثقة الشباب والصبايا والمواطنين بالتحرر الوطني والاجتماعي.
وقدم طلبة بيرزيت وغيرها من الجامعات نموذجا ملهما في الوطنية الثورية وفي الحفاظ على رسالة الجامعات التعليمية وفي هزم كل محاولات الاحتلال للنيل من الجامعة.
ان بيان الشبيبة يقطع مع هذا التراث الثوري الرائع، ويتعامل مع مؤامرة تحت مسمى محاصرة الطلائع الطلابية.
ما يحدث في بيرزيت يطرح أهمية المراجعة الشجاعة لدور الطلائع الطلابية ودور الكتل الطلابية – وبخاصة اليسارية - التي تتبارى مع بعضها البعض على تأييد الاغلاق بطريقة غير ديمقراطية ولا حضارية ومسيئة للطلبة والادارة والجامعة على حد سواء وللتراث الثوري الطلابي.
إن إغلاق الجامعة وفرض الاضراب وتعطيل العملية التعليمية لا يخص مجموعة من الطلبة ولا مجلس الطلبة والكتل الطلابية ومجلس الجامعة وإدارتها.
إغلاق الجامعة شأن عام تتحمل مسؤوليته الرئاسة والمنظمة والحكومة ووزير التعليم العالي ووزير الداخلية ووزير الثقافة والتنظيمات السياسية والمستوى الثقافي والاكاديمي، هذه الجهات لم تتدخل الا بحدود الوساطة وهذا موقف مؤسف، سيقود الى مزيد من انهيار النظام والقانون والى تغلغل الفوضى والشعبوية في بنية المجتمع والمؤسسة الرسمية.
إغلاق الجامعة بالجنازير مهما كانت الدوافع والاسباب هو فعل خطير ومقامرة بوظيفة ودور هذا الصرح العلمي، إنه إهانة لكل مواطن فلسطيني ولكل طالب وطالبة ولرسالة الجامعة العلمية.
ومطلوب ان لا ندخل في إغلاق الجامعة لليوم التاسع والعاشر والعشرين ووو...جامعة بيرزيت تعيش أزمة اقتصادية حادة، ومجلس الجامعة يعترف بعجز قيمته 5 ملايين دولار.
إذا الأزمة التي تعيشها الجامعة غير مفتعلة لأنها امتداد للازمة الاقتصادية العامة الناجمة عن التبعية الاقتصادية لدولة الاحتلال من جهة، وبفعل السياسة الاقتصادية الليبرالية للسلطة التي ادت الى أن يزداد الفقراء فقرا ويزداد الاغنياء غنى ويتراكم العجز والدين والقروض وتتفجر الازمات وتنتشر داخل المجتمع من الجهة الاخرى.
كان من المفترض ان تقدم السلطة دعما للجامعات كما في السنوات السابقة غير ان الدعم وصل الى صفر هذا العام كما تقول إدارة الجامعة. صحيح ان الجامعات الفلسطينية غير حكومية لكنها تستدعي الدعم ضمن أولويات الحكومة بالنظر لدورها الافتراضي في التنمية الانسانية.
إن ازمة الجامعات تطرح اهمية مراجعة الأولويات واهمية ان تحتل الجامعات والتعليم مراكز متقدمة في الاجندة الرسمية الفلسطينية.
لقد قدم مجلس جامعة بيرزيت تشخيصه للازمة وقدم في الوقت ذاته مخارج وحلولا، منها إجراءات تقشفية وهذا شيء ايجابي ومنها تثبيت سعر صرف الدينار بمستوى مرتفع، وهذا يحتاج الى نقاش من زاوية تأثيره على الاقساط، ومن زاوية قدرة الطلبة على الاستجابة.
الشيء الايجابي والاهم هو استمرار المنح الجامعية وعدم حرمان الطلبة الذين لا يستطيعون الدفع من مواصلة تعليمهم. من حق مجلس الطلبة الاعتراض والاحتجاج والتفنيد، ومن حقه الدعوة للاضراب او الاعتصام دون إكراه او إرغام او تهديد للطلاب والطالبات، ومن واجبه المشاركة في تقديم الاقتراحات البديلة.
اختم بالقول، إن إجراءات الجامعة ضد الطلبة الذين أغلقوا الجامعة بالجنازير سليمة.
وينبغي إخضاع كل الذين يكسرون النظام والقانون وينتهكون الحق العام للمساءلة من الجهاز القضائي. مجلس الطلبة يتحمل المسؤولية الكاملة عن استمرار غلق الجامعة وانتهاك حرمتها بالجنازير.