طوفان الحرب والاعلام

 

الحرب ليست الاستثناء في تاريخ البشرية، فالحروب متواصلة منذ معارك الصيادين والمزارعين والرعاة وصولا الى حروب القبائل ثم الدول فالحروب العالمية الطاحنة، وكذلك الجريمة ليست استثنائية ولا بنت الماضي القريب، انها تابعة ولصيقة بالحضور البشري على الأرض منذ قتل قابيل اخاه هابيل، مرورا بجرائم السلب والنهب وصولا الى الإرهاب والجرائم المنظمة التي ترتكبها جماعات ودول، وعلى رأسها جرائم الحرب والمجازر والمذابح وجرائم الإبادة والتطهير العرقي والتهجير والتجويع والحرق والاغتصاب والاستعباد والاتجار بالبشر وبالأعضاء البشرية للأجساد واجراء التجارب على الاسرى.   

والحرب في فلسطين وعلى فلسطين وعلى الفلسطينيين حيث وجدوا ليست بالجديدة، ولا المنقطعة، فما ان تنتهي حرب حتى تندلع أخرى، لتصبح الحروب وكل ما يتصل بها جزء أساس من تكوين وتراث وثقافة وصورة هذه الأرض المقدسة.

لقد ظلت الحروب في منطقتنا وفي العالم اجمع تتدحرج وتتطور، وظلت الجرائم المرتبطة بها تكبر وتتنوع، وظل العالم منشغل في كيفية ادارتها بعد ان اعترف بعجزه عن وقفها، فابتدع القوانين والاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق وأنظمة محاكم الجنايات الدولية، وأنشأ المؤسسات الراعية للهدن وفترات توقف إطلاق النار، والحارسة للحدود والقطاعات المحايدة، والاراضي منزوعة السلاح والممرات الآمنة، والمتكفلة بجهود الإغاثة وتنظيم مخيمات اللجوء، وحماية حقوق الاسرى. 

وكما يقولون فالحرب أولها كلام وآخرها كلام، ولطالما صاحب الشعراء المقاتلين لتخليد الحرب وتعظيم البطولات، ولطالما اصطحب نابليون الرسامين معه لرسم المعارك وتخليدها.

عندما عاد يوليوس قيصر من حربه على قبائل الغال وقف خطيبا في قومه فقال مجرد ثلاث كلمات سطرها التاريخ كأقصر خطاب، قال يومها قولته الشهيرة: " فيني فيدي فيتشي" أي " ذهبت، رأيت، انتصرت". من الواضح ان المنتصر تكفيه ثلاث كلمات اما المهزوم فلن تكفيه كل صحف وقنوات الدنيا لصنع انتصار.

طوفان السلاح

ما زال من المبكر الحديث بموضوعية وشمول وعمق عن الحرب الدائرة حاليا في قطاع غزة والتي أسمتها حركة حماس "طوفان الأقصى" فيما أسمتها حكومة الاحتلال الإسرائيلي "السيوف الحديدية"، هذا النص يكتب في اليوم السابع والثلاثين للحرب التي لا يظهر في الأفق بوادر نهاية قريبة لها، او ملامح للأوضاع على الأرض في نهايتها.

ومع ذلك فان مشاهد حادة حفرت عميقا في الذاكرة، ومستجدات لم تكن لتخطر على خيال، وانطباعات تحمل نسبة عالية من المصداقية، كلها مجتمعة قد تكون كافية للحديث عن الاعلام في هذه الحرب، وعن الحرب الإعلامية وكيف تؤثر في مجريات المعارك وكيف يتأثر بها الجمهور سلبا وايجابا.

قد تبدو أي مقارنة بين هذه الحرب وغيرها من الحروب، حتى تلك القريبة جغرافيا وزمنيا، مقارنة تجافي المنطق والموضوعية لعدة أسباب، نستطيع ايراد أبرزها على النحو التالي:

  • المباغتة الصادمة التي نفذتها كتائب القسام وسرايا القدس يوم السابع من أكتوبر واستطاعت خلالها اسر عدد كبير من الجنود الإسرائيليين واحتجاز عدد كبير أيضا من المدنيين.
  • حقيقة ان من بين المدنيين المحتجزين لدى حماس نسبة كبيرة من حملة الجنسيات الأجنبية وهو ما قاد الى تدخل دولهم بشكل أكثر جدية وحدية.
  • توقيت هذا الهجوم الصاعق مع الانقسام السياسي الحاد داخل حكومة الاحتلال ومجتمعه السياسي والمدني، وهو ما جعل الحرب مزادا مفتوحا، ومجالا للتنافس على إيقاع أكبر خسائر في الفلسطينيين للنجاة من المحاكم التي ستعقد بعد انتهاء الحرب مباشرة او لتجنب مغادرة الحلبة السياسية نهائيا.
  • في هذه الحرب أكثر من سابقاتها كان هناك اقتراب وخشية من انزلاق المعارك لتصبح إقليمية وهو ما استطاعت الولايات المتحدة تجنبه –حتى الآن على الأقل-بفضل استدعاء حاملات طائرات وبوارج وغواصات الى المنطقة، وإطلاق اوسع حملة تهديدات دبلوماسية باتجاه إيران ولبنان وسوريا والعراق، فضلا عن ظهور الحوثيين من اليمن للدخول في هذه الحرب.
  • اهداف هذه الحرب متغيرة وغامضة وغير معلنة بوضوح من قبل طرفيها، فالاحتلال أعلن بداية هدفه بإزالة حماس ثم أعلن ان هدفه انهاء سيطرتها، ثم أعلن انه يريد الحفاظ على قواته في القطاع، وحماس أعلنت وقف الاعتداءات على الأقصى كهدف ثم تبييض السجون وانتهت الى الإعلان عن صفقة تبادل كاملة او بالتجزئة.

ورغم هذه الفروق المؤثرة كما ونوعا، فان الاعلام والاستخدام الإعلامي في هذه الحرب قد يبدو مشابها لاستخدامات سابقة في حروب سابقة.

التضليل عالي المستوى

في الخامس من شهر شباط لعام 2003 عرض وزير خارجية الولايات المتحدة الامريكية كولن باول امام مجلس الامن صورا التقطت من الأقمار الاصطناعية وتسجيلات صوتية قال إنها دليل على خداع العراق فيما يتعلق بالأسلحة، وقدر يومها ان العراق يمتلك مواد أسلحة كيماوية قد تعبئ نحو 16 ألف رأس حربية كيماوية. وبحركة استعراضية اخرج بأول من جيبه انبوبة صغيرة تحتوي على مسحوق ابيض قال انها دليل إضافي على انتاج العراق لأسلحة جرثومية وبيولوجية.

بعد شهر تقريبا من هذا اليوم بدأت حرب تدمير العراق.

باول المتوفى في 18 أكتوبر 2021 بسبب مضاعفات كوفيد 19، كتب في مذكراته: "الخامس من فبراير/ شباط 2003 هو يوم محفور في ذاكرتي بحروف من نار مثل يوم ميلادي تمامًا، وسيكون هذا الحدث بعد وفاتي هو الفقرة الأبرز من فقرات نعيي في الصحف".

ووصف كلمته أمام الأمم المتحدة بـ"الخطاب سيئ السمعة"، مستذكرًا في كتابه سؤال المذيعة بربرا والترز له في أول مقابلة رئيسية معه بعد مغادرته موقعه الرسمي في وزارة الخارجية الأميركية: "هل هو وصمة عار في سجلك الوظيفي وسيرتك الذاتية؟".

فردّ باول: "نعم، ما تم قد تم، وليس في مقدوري منعه الآن، أو الحيلولة دون منعه في الماضي فقد انتهى الأمر وعليّ أن أتعايش معه".

لم تخل هذه الحرب على غزة من تضليل عالي المستوى أيضا، فلقد روج رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزارة الخارجية الإسرائيلية رواية عن قيام مقاتلي القسام بقتل 40 طفلا رضيعا وجزّ رؤوس بعضهم وسرعان ما انتشرت هذه الرواية على منصات ومواقع مؤيدة لإسرائيل، وسرعان ما وجدت هذه الرواية "التي لم يتم التحقق منها" طريقها إلى أعلى مستويات القيادة، حتى ان رئيس الولايات المتحدة الامريكية تبنى هذه الرواية وتحدث علنا عن صور عنيفة لمشاهد هجوم لمقاتلي كتائب القسام.

في وقت لاحق تراجع البيت الأبيض عن تصريحات بايدن وقال المتحدث باسم البيت الأبيض "لا الرئيس بايدن ولا أي مسؤول أميركي رأى أي صور أو تأكدَ من صحة تقارير بشأن ذلك بشكل مستقل". وأضاف المتحدث أن تصريحات بايدن بشأن الفظائع المزعومة استندت إلى مزاعم المتحدث باسم رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وتقارير إعلامية إسرائيلية.

ولاحقا نشر رئيس الوزراء الصهيوني، بنيامين نتنياهو، صورة ادعى أنها لطفل إسرائيلي أحرقته حماس، لكن سرعان ما كشف الصحفي الأميركي جاكسون هينكل أن تلك الصورة مزيفة، وكشف الصحفي الأميركي أن صورة الطفل الإسرائيلي المزعوم هي في الأصل صورة كلب في عيادة طب بيطري، تم تزييفها عن طريق الذكاء الاصطناعي، لتحل محلها صورة لجسد طفل متفحمة.

صحيح ان حبل الكذب قصير، وان حبله في الاعلام أقصر بكثير مما يعتقد الكثيرون، الا انه صحيح أيضا ان الخبر الأول أكثر رواجا من النفي او التعديل او التوضيح، وصحيح أيضا ان الذاكرة الشعبية قصيرة، وان وقائع الحرب تطوي الكثير من الأكاذيب والزلات، فالحرب خدعة، والكذب في زمن الحرب يبدو مباحا، وان ما يبقى هو قساوة الواقع الذي تخلفه الحروب، لا ما صاحبها من أكاذيب، وما رافقها من اشاعات وتصريحات نارية.

الروايات الكاذبة

كثيرة هي الأكاذيب التي أطلقتها مواقع رسمية وغير رسمية وشخصيات إسرائيلية من غلاة اليمين المتطرف، وللأسف فان وسائل اعلام غربية تلقفت هذه الروايات الكاذبة ونشرتها دون تدقيق، سامحة لجيوش الكترونية كثيرة العدد متعددة اللغات بتكرار نشرها على مختلف المنصات، ومعلوم ان منصات التواصل الاجتماعي أبدت تساهلا كبيرا مع الرواية الإسرائيلية، مقابل تشدد وتضييق نطاق وصول وفرض عقوبات، كالحجب والتقييد لحسابات تحمل الرواية الفلسطينية. 

فمثلا زعم الرئيس الإسرائيلي اسحق هيرتسوغ في مقابلة مع صحيفة بيلد الألمانية العثور على جمجمة الفنانة الألمانية الشابة شاني نيكول لوك، التي كانت تشارك في مهرجان هاجمه مقاتلو حماس، وقال للصحيفة: "لقد تم العثور على جمجمتها، وهذا يعني ان هذه الحيوانات البربرية السادية قطعت رأسها".  

ونشرت صحيفة "ذا ميرور" البريطانية تقريرا عن قيام "إرهابيين" من حماس بقتل الفنانة شاني لوك. وذكرت ان "الإرهابيين" استعرضوا وجثتها على مقدمة شاحنة في المكان.   

لاحقًا، نقلت صحيفة "الإندبندنت" خبرا يفيد بأن "والدة فنانة الوشم المفقودة بعد هجمات حماس تقول إن ابنتها على قيد الحياة في مستشفى بغزة". وبعد ذلك قال والدها ان ابنته ماتت جراء اصابتها برصاصة في الرأس.

في إطار أكاذيب الرواية الإسرائيلية التي روّج لها الإعلام الغربي، "أكد" مسؤول إسرائيلي تعرّض نساء للاغتصاب خلال هجوم حماس على مستوطنات غلاف غزة.

ونقلا عن "تأكيدات" مسؤولين إسرائيليين، جاء مقال لـ"نيوزويك"، تحت عنوان "التقارير تُفيد بأن حماس تستخدم الاغتصاب سلاحًا في الحرب، أين النسويات؟".

غير ان أصحاب هذه الرواية لم يقدموا دليلا او حالة واحدة تعرضت للاغتصاب او لمحاولة تحرش، وكذلك لم تذكر أي من منظمات حقوق الانسان والمنظمات النسوية أي حالة تفيد بوقوع اعتداء على النساء.

وفضلا عن ذلك فلقد لجأ اعلام حماس الى اظهار براءته من هذه الادعاءات بشكل عملي بث مشاهد لمقاتلين يطعمون الأطفال المحتجزين، كما قامت حماس بإطلاق سراح محتجزتين مسنتين ظهرت احداهما وهي يوخباد ليفشيتس في مؤتمر صحافي وقالت: "لقد تعاملوا معنا بود وعناية، ووفروا لنا الطعام والدواء، وأحضروا لنا طبيبا لفحصنا، وكذلك مضمد لمتابعة وضعنا الصحي ومعالجة من أصيب منا بجراح".

وقد اثارت هذه التصريحات ضجة إعلامية كبرى حيث اعتبر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، و"هيئة المخطوفين والمفقودين"، أن التصريحات التي أدلت بها المسنة الإسرائيلية مفاجأة صادمة تعود بالضرر على صورة إسرائيل وتسهم كذلك في إضعاف وتقويض جهود الدعاية الإسرائيلية.

 

الانكار والتشكيك في الروايات 

تعمد آلة الدعاية الإسرائيلية الى زرع الشك في الروايات التي لا تستطيع دحضها، الأمثلة على ذلك كثيرة عبر تاريخ هذا الصراع الذي بدأ قبل أكثر من 75 عاما، فالشهيد الطفل محمد الدرة من وجهة نظر متحدثيها قد يكون استشهد برصاص مسلحين فلسطينيين، والشهيدة الصحافية شيرين أبو عاقلة ربما تكون قد استشهدت برصاص مقاومين فلسطينيين، وحتى مستشفى المعمداني الذي استشهد فيه أكثر من 500 شخص قد يكون قصف بمتفجرات وعبوات أطلقتها حركة الجهاد الإسلامي، والمسنة الإسرائيلية التي حررتها حماس لأسباب إنسانية شهدت بحسن معاملة حماس لان زوجها ما زال مختطفا لدى القسام وتخشى عليه، وامين عام الأمم المتحدة لم يهاجم إسرائيل بناء على موقف موضوعي، وانما لأن عددا من أبناء بلده محتجزين لدى حماس، والمشافي الفلسطينية لا ينقصها الوقود فالوقود متوفر ولكن حماس تستولي عليه.

قد ننظر نحن المقيمون في هذه الديار والعارفين بشأنها والخبيرين بسلوك اعدائها، قد ننظر باستخفاف الى هذا الانكار والتشكيك في الروايات، ولكن هناك آخرين أبعد جغرافيا وأقل دراية، وقد يأخذون هذا التشكيك على محمل الجد، او على الأقل سيدفعهم الى التسليم بوجود روايتين، او سيقود الى ابتعادهم عن الانشغال بهذه القضية التي غالبا ما تحمل روايات متناقضة.

كان المتحدث الرسمي الرقمي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في تغريدة على حسابه في منصة "أكس"، قد اعترف بضرب المستشفى المعمداني لأنه يؤوي قاعدة لحركة حماس.

وأرفق تغريدته هذه بصورة للنيران تشتعل في المستشفى بعد الضربة. إلا أنه عاد وحذفها سريعا.

وحملت حكومة الاحتلال المسؤولية عن هذا القصف لحركة الجهاد الإسلامي، ولكنها لم تستطع انكار انها قدد هددت بقصف هذا المستشفى وطلبت من ادارته اخلائه من المرضى والأطباء.

التبرير

برر الامريكان قصفهم بالقنابل الذكية لملجأ العامرية في العاصمة العراقية بغداد يوم 13 شباط 1991 بانه كان يستخدم مقرا للقيادة العراقية، لم يسأل كثيرون كيف أمكن للأمريكان رؤية قيادات في هذا الملجأ دون ملاحظة مئات اللاجئين الذين يقيمون فيه، ذهب ضحية هذا القصف 400 شهيد مدني. وفي ذات الحرب أيضا قصفت الطائرات الامريكية معملا لحليب الأطفال في ضواحي بغداد وقالت انه كان مصنعا للأسلحة الجرثومية.

ربما كانت الهجمات مقصودة، وربما كانت أخطاء كبرى في حرب تسندها التقارير الاستخبارية التي قد تخطأ وقد تصيب، ولكن ما يعنينا إضافة الى النتائج الكارثية هو رد الفعل الذي يسعى لتبرير الجريمة بدلا من الاعتراف بها.

هذا النهج ما زال مستعملا وبشدة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، فخلال معاركها المتواصلة وخاصة ضد قطاع غزة الذي يشهد اعلى نسبة كثافة سكانية، تستبيح طائرات وصواريخ الاحتلال المدارس، والابراج والعمارات وسيارات الإسعاف والمقرات الأممية والمشافي بحجة ان فيها مطلوبين، وان الإرهابيين يستخدمون المدنيين كدروع بشرية، ولا أحد يستغرب او يسأل إذا كان الارهابيون حقا يستخدمون الأطفال والنساء كدروع بشرية فلماذا تقومون أنتم بقصفهم؟!. 

  الحقيقة ان إسرائيل أكثر ابداعا من الولايات المتحدة في استخدام التبرير، فهي تهيئ له وتسبقه بحملة تحريض، فمثلا لم تتوقف سلطات الاحتلال وناطقيها ومسؤوليها من رئيس الوزراء الى من هم أدني مرتبة في الإشارة الى ان قيادات القسام تستخدم مستشفى الشفاء كمقر قيادي، وقد توج هذا التحريض بصورة مخطط مزعوم للمستشفى تظهر اسفله أنفاق، وتم ارفاقه بعرض لتسجيلات صوتية في صورة تحاكي تماما ما قام به كولن بأول في مجلس الامن عشية الحرب على العراق. وما هي الا أيام حتى بدأت الطائرات الحربية الإسرائيلية غاراتها في محيط مستشفيات الشفاء والرنتيسي والقدس والاندونيسي وغيرها.

كان نتنياهو شخصيا قد استبق الامر او الإدانة المحتملة حين قال في مؤتمر صحافي يوم 30 أكتوبر 2023: "في العام 1944، قصف سلاح الجو الملكي البريطاني مقر البوليس السري الألماني (الغيستابو) في كوبنهاغن عاصمة الدنمارك. وكان الهدف شرعياً تماماً. لكن الطيارين البريطانيين أخطأوا الهدف وأصابوا إحدى مستشفيات الأطفال القريبة بدلاً من مقر الغيستابو. وأسفر ذلك عن احتراق 84 طفلاً حتى الموت على ما أظن. ليست هذه جريمة حرب. ولا أحد يلوم بريطانيا على فعلتها تلك. لقد كان هذا عملاً حربياً شرعياً له تداعياته المأساوية التي ترافق مثل هذه التحركات المشروعة".

وناهيك عن المقارنة المغلوطة تماما بين حماس والنازية من جهة، وجيش الاحتلال والحلفاء من جهة ثانية، فان القصف الخاطئ استهدف مدرسة وليس مستشفى وأسفر عن 120 قتيلا.

واضافة لذلك وقع 43 حاخاما رسالة الى نتنياهو، اباحوا فيها قصف المشافي، وذكروا أنه لا يوجد أي حظر شرعي (ديني) وأخلاقي على إيذاء العدو، في حال استخدم المدنيين دروعا واقية ويختبئ خلفهم على أمل ألا يؤذوه".

وكتب الحاخامات في رسالتهم "أنه على الرغم من ضرورة تحذير السكان مسبقا، فإن اللوم يقع على عاتق القتلة الذين يختبئون خلفهم".

 

التحريض

لم يعد معجم الاوصاف التحريضية التي تستخدمها حكومة الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين كافيا، ولم تعد مصطلحات "الإرهابيين والمخربين" كافية لإشباع جنون وتطرف هذه الحكومة الأكثر يمينية وتطرفا في تاريخ الاحتلال، في هذه الحرب أكثر من غيرها استخدم الإسرائيليون ساسة ومتحدثين اعلاميين اوصاف البربرية والحيوانية والوحشية والسادية والهمجية على الفلسطينيين، وسعوا منذ اللحظة الأولى الى تكريس مصطلح حماس داعش.

ولقد توج هذا التحريض بمطالبة عدة وزراء للجيش بعدم التفريق بين مدني وعسكري، وبدعوة وزير التراث عميحاي إلياهو الى ضرب قطاع غزة بقنبلة نووية.

وكان نتنياهو قد اعتبر هذه التصريحات التي أثارت غضبا واسعا حتى من حلفاء إسرائيل بأنها "منفصلة عن الواقع" وقرر تعليق مشاركة إلياهو في اجتماعات الحكومة الإسرائيلية حتى إشعار آخر، غير ان هذا الوزير ظل يشارك في التصويت على قرارات الحكومة عبر الهاتف حيث رفض حزبه استبداله بوزير آخر.

لم تخل روايات وأحاديث قادة حماس من تحريض ومن سقطات غير محسوبة تم التراجع عن بعضها في وقت مبكر، فمثلا دأب الناطق باسم القسام على استخدام تعبير "ابن اليهودية" وهو ما ينم عن تحقير مبني على الكراهية الدينية، ولاحقا عاد الناطق الى استخدام "أبناء القردة والخنازير"، ولكن السقطة الأكبر كانت التهديد المشروط بقتل أسرى امام الكاميرات في حال تم قصف مدنيين، وقد تم التراجع عن هذا التهديد الذي استخدم لإجراء مقارنة ظالمة بين حماس وداعش.

التأصيل للرواية

عادة ما ينشغل الاعلام وينشغل المتحدثون والسياسيون في معالجة اللحظة الراهنة، ناسين انها ليست الا نتيجة حتمية لسبب مضى، وان هذا الصراع هو ما اوجد حركات المقاومة ومن بينها حماس، وليست حركات المقاومة ومن بينها حماس هي من اوجدت هذا الصراع، وان هذا الصراع لم يبدأ في غزة في عذا العام او قبل عشرة أعوام وانما بدأ بالنكبة قبل 75 عاما.

لقد تسرع وزير إسرائيلي فوصف هذه الحرب بانها "حرب استقلال إسرائيل" كاشفا بذلك عن مخطط تهجير شبيه بما حدث في النكبة.

ويبدو ان من حسن حظ الفلسطينيين إعلاميا هذه المرة غياب كثير من المتحدثين التقليديين غير المقبولين جماهيريا وغير المقتدرين على مخاطبة الرأي العام العالمي لصالح متحدثين محترفين من أمثال السفير حسام زملط والدكتورة حنان عشراوي والدكتور مصطفى البرغوثي وآخرين يتقدمهم الفنان المصري باسم يوسف.

في كل ظهور لهؤلاء امام وسائل الاعلام الأجنبي كان يوجه لهم سؤال ابتدائي واحد وهو "هل تدينون ما قامت به حماس؟!"

هذا السؤال بحد ذاته والذي تحول الى لازمة لكل مقابلة مع فلسطيني أفقد وسائل الاعلام الغربية جزءا كبيرا من احترامها ومصداقيتها وقد ظهر ذلك علنا في رسائل استقالة وفي رسائل توبيخ وفي شعارات كثيرة حملها المتظاهرون الذين قدر عددهم بمئات الآلاف في كبريات العواصم الغريبة.

ورغم انحياز منصات التواصل الاجتماعي فان مضمون ما تم نشره تأييدا لفلسطين وغزة وحماس والمقاومة وضد همجية ووحشية الاحتلال كان اضعاف ما تم نشره من مضمون مؤيد للاحتلال.

ويجب القول ان هذا النجاح لا يستند الى المهارة الإعلامية فقط بقدر ما يستند الى الحدث البطولي بحد ذاته والى حجم الوحشية الإسرائيلية المستخدمة في الهجوم على غزة.

استهداف الصحفيين

حتى ساعة كتابة هذه السطور استشهد ما لا يقل خمسين صحفيا وصحفية في قطاع غزة، ويمثل هذا العدد ما نسبته 4% من مجموع الصحفيين العاملين في القطاع، وتم استهداف مقار صحفية وسيارات بث، وتم اعتقال صحفيين، وتم تدمير بيوت صحافيين مما أدى الى استشهاد افراد اسرهم.

يضاف الى هذه الانتهاكات والجرائم التهديد والتحريض ضد صحفيين بعينهم والتهديد المتكرر باستهداف صحفيين واغلاق مؤسسات صحفية. إضافة الى القطع المتكرر لخدمات الاتصالات والانترنت.

لا يمكن النظر الى هذه الممارسات والجرائم على انها احداث غير ممنهجة ولا مخطط لها، فلطالما مارس الإسرائيليون سياسة تكسير العظام بعيدا عن الكاميرات. ولطالما رددوا بان أمن إسرائيل اهم من اخلاقها.

التغييب والتعتيم

في خضم حرب بهذا المستوى من التوحش، تضيع تفاصيل كثيرة وتضمحل احداث كبرى لصالح احداث أكبر، فمجزرة قصف المستشفى المعمداني تكاد تُنسى لصالح جرائم استهداف الاحياء من الخدج في مستشفى الشفاء، ومأساة النزوح المتكرر وأوضاع النازحين تكاد تنسينا عدد الوحدات السكنية المدمرة، وجوع الأطفال ونقص الغذاء يكاد ينسينا حجم الدمار في البنية التحتية والبيئة الملوثة وانتشار الامراض.

وللأسف فان الصورة الحديثة تكاد تمحي ما سبقها، ويخطط الإسرائيلي الى ان تكون صور نهاية الحرب لصالحه بإثبات ان حماس استخدمت المشافي كمقار للقيادة وأنها حفرت أنفاقا تحت المشافي والمدارس، وتحصنت بين المدنيين.

صور مهما بدت غير مقنعة لنا فإنها قد تجد تقبلا لدى فئات غربية ولدى هيئات دولية.

صحيح ان هذه الهيئات الدولية انكشفت وظهر عجزها ان لم نقل تواطؤها، ولكن علينا كأصحاب حق ان نواصل استخدام هذه الهيئات فليس بين أيدينا الكثير لنفعله في مواجهة عالم يدير ظهره لنا حكوميا.

وصحيح ان العالم على مستوى الافراد يقف معنا ويحبنا ولكن من الضروري ان يكون هذا الحب والتفهم والتضامن مستداما وليس موسميا، على الفلسطيني ان يبادل الآخرين الحب والتضامن على الدوام.

وصحيح ان وسائل الاعلام الغربية منحازة وان وسائط التواصل الاجتماعي تستخدم معايير مزدوجة ولكن العدالة التي تطفح بها قضيتنا لا تحتاج الا الى قليل من الذكاء والبعد عن المبالغة لكي تكون رواية رائجة.

وأخيرا اعتقد ان صور الضحية لوحدها لا تكفي فالعالم يتعاطف مع الضحية ثم يحاول جهده لكي ينساها، يجب مزاوجة صورة الضحية مع صورة البطل الذي يرفض ويقاوم، فالعالم يحترم من لا يسكتون على الظلم والطغيان ويسعى الى نشر قصتهم والى التشبه بهم.

 

لعل ما يؤخذ على حروبنا الأخيرة هو غياب المواكبة الثقافية، لم نجد نشيدا او اغنية تخلد معاركنا وسيرتنا النضالية الأخيرة لم نجد لوحة تهلق في الكثير من المنازل، لم نجد شعرا يسطر هذا الصفحة النضالية المتأخرة، لم نجد درويش ودحبور ولا العاشقين ولا مارسيل. لم نجد نحتا ولا تمثالا يخلد هذه المحرقة.  

*نشرت في العدد 33 من مجلة اوراق فلسطينية 
الصورة للفنان الفلسطيني نواف سليمان 

الآراء الواردة في المدونة تعبر عن رأي كتابها، وليس بالضرورة عن رأي الجامعة.