التعليم العالي والراي العام

رغم أهميتها ، لم تتحول مسالة إغلاق جامعة بيرزيت وتأخر الفصل الدراسي فيها الى قضية رأي عام تشغل المواطنين ، بل أنها لم تتحول الى قضية ذات أولوية لدى فئات كثيرة يجب ان تهتم بها ومنها الحكومة ووزارة التعليم العالي والتنظيمات التي ينتمي لها الطلبة إضافة الى المنظمات التربوية والحقوقية والشخصيات الأكاديمية وبقية الجامعات.
ومع استمرار انغلاق الفرص أمام أي حل يضمن للجامعة هيبتها وقدرتها على تجنب إضرابات مستقبلية للعاملين ، ويضمن كذلك عدم انكسار الحركة الطلابية أو الحاق الأذى بتاريخها المشرف يستمر تعاطي المواقف وتحميل المسؤوليات لهذا الطرف أو ذاك ، دون انشغال حقيقي في اقتراح حلول إبداعية عبر الشخصيات التي تحظى بالمكانة والتقدير لدى جانبي هذه الأزمة.
ويقيني الشخصي ان حل الأزمة الحالية - وان كان سيقود الى إنهاء ظاهرة إغلاق الطلبة للجامعة بشكل نهائي - إلا انه سيظل عاجزا حتى عن ملامسة جذور ومسببات الأزمة التي تتكرر كل عام ، وتتوسع لتشمل كافة الجامعات.
ان الجذور الحقيقية للازمة لا تكمن في قانونية الإغلاق ، ولا مدى تناسب سعر صرف الدينار مع مستوى ومدخولات المواطنين ، ولا في البحث عمن يتحمل مسؤولية الخسائر المتراكمة والمتصاعدة يوما بعد يوم بفعل الإغلاق ، ولا حتى في سلوك الطلبة وطبيعة رد فعل الجامعة، فهذه جميعا ليست سوى انعكاسات وظواهر ونواتج لمسببات أعمق تقف في مركزها فلسفة التعليم ونظرة المجتمع اليه.
ما تفعله مدارسنا ومدرسونا هو أنهم يتركون انطباعا قويا لدى الطالب بانه محتوم بالفشل ان لم يذهب الى الجامعة ومع ذلك فإنهم لا يزودون الطالب بأي أفق لكي يختار مسبقا ما هو التخصص الذي يريد دراسته في الجامعة اللهم باستثناء الطب والهندسة ، وينتج عن ذلك بالطبع تكريس النظرة السلبية عن التعليم المهني ، وهو نوع التعليم الذي تحتاجه البلد ، وهو التعليم القادر على خفض نسب البطالة ولو بشكل جزئي.
وينتج عن ذلك أيضاً دفع الطلبة الى تخصصات أما سيفشلون فيها وأما سيتخرجون منها ليحملوا شهادتها دون ان يعملوا بها ، أو ليفشلوا ان عملوا بها.
وطبعا يكرس البيت والمجتمع هذه المفاهيم وبشكل ضاغط اكبر ، وتصبح عبارة المهم تتخرج من الجامعة ، ومش مشكلة شو تشتغل بعدين واحدة من المسلمات التي ينطق بها كل اب او ام او ناصح لخريخ الثانوية العامة ، وتصبح الشهادة الجامعية لوحدها ودون أي اقتران بالعمل جزء من المتطلبات الاجتماعية وعلى رأسها الزواج ، وتتفاقم هذه الحالة مع الطالبات أكثر ، فنظرة بسيطة الى نسب دارسات الاعلام في فلسطين تجد أنهن يزدن عن النصف وأما نسبتهن في سوق العمل فلا تزيد عن ١٧٪ ، والسبب ليس غياب فرص التوظيف فقط ، بل عدم مناسبة التخصص أحيانا والافتقار للموهبة أحيانا أخرى ، والزواج في كثير من الحالات.
ان مستقبل وجودة التعليم العالي وفرص تقدم جامعاتنا على لائحة التصنيف العالمي للجامعات أمور من المؤسف أنها لا تناقش بسبب الانشغال الدائم بالأزمات الطارئة وفي مقدمتها الأزمات المالية كرسوم الدراسة وأجور العاملين.
وحتى يكون التعليم العالي في بلادنا عاليا فعلا ، لا قولا ، لا يجب على الجامعات إيلاء الجزء الأعظم من اهتمامها لتنمية الموارد المالية والبحث عن الداعمين والمتبرعين ، بل إلاهتمام وبكل ما أوتيت من قوة وعزم لتحديث مناهجها وتجويد إدارتها العلمية وابتعاث مدرسيها ومنع تسرب كفاءاتها فضلا عن استقطاب الجديد منها وتشجيع البحث العلمي ودفع المدرسين والطلبة ومجتمع الجامعة بكامله الى الانخراط في الجهد التنموي المجتمعي.
يجب على الآخرين من أصحاب المسؤوليات العالية الباحثين عن بناة حقيقيين لهذا الوطن ، وعلى الباحثين عن الموظفين ذوي الكفاءة لادارة مؤسساتهم ومصانعهم ، يجب عليهم الانشغال بتمويل الجامعات وتفريغ مجالس هذه الجامعات لإدارة الهموم والتحديات الأكاديمية ، وأما استمرار الحال على ما هو عليه من تدافع شديد نحو التعليم الجامعي وعجز عن تلبية المصاريف التشغيلية وغياب للموازنات التطويرية فانه سيقود لا محالة أما الى إفلاس الجامعات وتوقفها وأما الى تردي التعليم العالي في بلادنا الى اسفل سافلين.
وهنا ربما نجد وجاهة في طروحات سابقة تناولت ضرورة انشاء جامعات نوعية وأخرى اقل نوعية مضافا إليها الطروحات التي تفيد بضرورة التنسيق فيما بين الجامعات من اجل انفراد أو تخصص كل منها بأحد العلوم بدلا من تشتيت الجهد في تكرار التخصصات وتأمين مدرسيها وتحديث مناهجها وتجهيز مختبراتها.