السؤال الغائب في أزمة جامعة بيرزيت

توجد أخطاء شائعة وسؤال واحد على الأقل غائب عن نقاش الأزمة المالية في جامعة بيرزيت. ٍأبدأ بالأخطاء وسأترك السؤال للنهاية.
الخطأ الأول: أن التعليم العالي ليس من مسؤولية الدولة، ما عدا الدعم الذي تقدمه للجامعات الحكومية، أما الجامعات العامة غير الربحية، مثل معظم الجامعات الفلسطينية، فالمسؤولية المالية تقع على الطلبة وذويهم، وعلى إدارات الجامعات. هذا الخطأ شائع عند البعض وفيه شطط كبير، ذلك أن التعليم العالي مكلف ويندر أن نجد في دول العالم قاطبة تعليما عاليا لا يحصل على دعم من حكومات الدول المختلفة سواء كان بشكل مباشر أو غير مباشر. والسبب في ذلك هو أن استثمار الحكومات في التعليم العالي هو في عالم اليوم استثمار مباشر في التنمية كما هو معروف، وأن عبارة اقتصاد المعرفة لم يجر استخدامها إلا بسبب ارتباطها المباشر بالتنمية. فكما تقدم الحكومة على الإنفاق لغرض البنية التحتية الضرورية للقطاع الخاص الذي يعول عليه في التنمية الاقتصادية في النظام الرأسمالي، من شق طرق وإنارة شوارع وسن قوانين تيسر وتوضح وتعفي من الضرائب لتشجيع الاستثمار، تقوم أيضا بدعم التعليم العالي بشكل مباشر أو غير مباشر.
فمن نوع الدعم غير المباشر مثلا، ما تقدمه الحكومات من إعفاءات ضريبية بموجب قوانين خاصة للمتبرعين للجامعات غير الحكومية. هذا التبرع، يشكل ضريبة طوعية غير مباشرة على رأس المال، تيسرها الحكومة وتشجعها. إضافة، تقوم الحكومة بتخصيص منح أو قروض للطلبة غير المقتدرين في حال لم يكن التعليم العالي مجانيا كما هو الحال في الجامعات غير الحكومية في الولايات المتحدة، إحدى الدول الرأسمالية الأكثر تخلفا فيما يتعلق بمنافع الصالح العام، فما بالك بأكثرها تقدما.
والمفارق في الحالة الفلسطينية أن الطلبة وذويهم وإدارات الجامعات يتحملون تكاليف التعليم العالي كله تقريبا، وهم بذلك يقدمون دعما ماليا للمستفيد الأول غير معهود ومألوف في دول العلم المختلفة. من هو المستفيد الأول من منظور كلي تنموي؟ إنه المشغل، أي، أولا، القطاع الخاص ويليه القطاع العام. والمفارقة الكبرى هنا غير المعهودة في معظم الدول أن الطلبة وذويهم وإدارات الجامعات يقدمون هذا الدعم المالي للمشغل، المستفيد الأول من منظور كلي تنموي، على شكل رأس مال يحمله الطالب ويقدم مجانا لهذين القطاعين. كيف حصل هذا؟ لا أحد يعرف. إنها لمفارقة ما بعدها من مفارقة.
أما الخطأ الثاني الشائع عند البعض فيكمن في القول أنه حتى لو سلمنا أنه من واجب الحكومة دعم التعليم العالي، فإن الأزمة الاقتصادية تجعل ذلك متعذرا. هذا خطأ شائع ليس لأنه لا توجد أزمة اقتصادية وإنما لأن السؤال الأساسي يكمن في مكان آخر. والسؤال هو: كيف توزع موازنة الحكومة، وما هي الأولويات التنموية وأولوية اقتصاد المعرفة وحصة التعليم العالي في الموازنة السنوية؟ هذا هو السؤال الصحيح. إن موازنة الحكومة للعام الحالي هي ثلاثة مليارات وربع المليار دولار. كيف توزع، وما هي الأولويات، وهل يعكس توزيعها الحالي أولويات تنموية وأولويات المواطنين الذين يريدون تعليما عاليا ذا مستوى منافس في عالم اليوم المعولم اقتصاديا؟ من الجلي أن الإجابة هي لا. هذه هي القضية.
أعود الآن إلى نقطة البداية والسؤال الغائب في خضم نقاش الأزمة المالية في جامعة بيرزيت، والتي سبقها وستليها أزمات مالية في جامعات فلسطينية أخرى. ما هو محير في هذه الأزمة هو انشغال واشتغال الأطراف الرئيسية الثلاثة ببعضهم البعض، والاستغراق بهذا الانشغال بحيث لم تعد أعينهم ترى، على ما يظهر، ما هي القضية. الطلبة يجنزرون مداخل الجامعة، والإدارة تتخذ الإجراءات بحق بعضهم، ونقابة العاملين تتوسط لإيجاد صيغة ما للحل. جهد نبيل محمود من قبل النقابة، ولكن ما فات الجميع، على ما يبان، هو العنوان الصحيح لهذه الجهود. والعنوان هو الحكومة، والسؤال الذي يجب أن يوجه لها من قبلهم ومن قبل المجتمع بعامة هو حول توزيع الموازنة والأولويات التنموية للبلد، والتي يريدها المواطن أيضا.
والسؤال الغائب هو: لماذا ينشغل ويشتغل الأطراف الرئيسة الثلاثة، أي الطلبة والإدارة والنقابة، ببعضهم البعض بدلا من وضع المسؤولية أمام باب الوزارة حيث العنوان الصحيح في هذه الأزمة؟ لماذا لا تتضافر جهود الأطراف الثلاثة ومعهم ذوو الطلبة وخريجو الجامعة الغيورون عليها وكل من يرى أن أولويات إنفاق الموازنة لا تخدم جميعها تنمية اقتصاد البلد؟ فلا يكفي أن يقال أنه تم التوجه للحكومة ومناشدتها للمساعدة ولكنها أحجمت بسبب ضيق ذات اليد. هذا جواب خاطئ لأن الأمر لا يتعلق بالمساعدة وإنما بحق المواطنين مساءلة الحكومة عن أولوياتها. أين هم أعضاء المجلس التشريعي من مساءلة الحكومة بدورهم؟، ولن ينفع التحجج بانقسام المجلس، فماذا يمنع عقد جلسة للأعضاء هنا في الضفة الغربية لمراجعة الموازنة والطلب من الحكومة تعديلها إن لزم، أو وضع أولويات للإنفاق مع توفر الأرصدة. ماذا يمنع؟ أين هو الضغط الفعال الذي من الضروري وضعه على أعضاء المجلس والحكومة وهل قام الأطراف الثلاثة في الجامعة بهذا؟ هل أُعِدت حملة مبرمجة لهذا الغرض كما يجري في العديد من الدول لوضع السلطة التنفيذية عند مسؤولياتها، أم أن الإدارة والنقابة والطلبة على وجه الخصوص فقدوا البوصلة أو أفقِدوها من قبل أطراف من خارج الجامعة؟ هذه هي الأسئلة الغائبة في هذه الأزمة.