الموضوع الغائب في قضية إخراج عميرة هاس من جامعة بيرزيت

سأتناول موضوع إخراج الصحافية عميرة هاس من مؤتمر مركز التنمية في جامعة بيرزيت من الزاوية التي أشار إليها بحق الزميل مهند عبد الحميد، إذ حدد أن الموضوع أوسع من الحادثة نفسها وتثير أسئلة مهمة حول التحالف والصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين (الأيام، 30 أيلول، 2014). وسأسعى لأن أبين أن نقاد ما حصل والذين هاجموا منظمي المؤتمر، منقطعين ومترفعين عن فهم جوانب من تجربة الجيل الحالي من الشباب، ممن هم الآن في الجامعات الفلسطينية وليس فقط في جامعة بيرزيت، وأن الأمر في بعض أبعاده لا يتعلق تقريبا بعميرة هاس، الناقدة لممارسات الاحتلال والمنتصرة لحقوق الفلسطينيين. وأضيف، إن الاستغراق في الذات وميولها الفردية أو الشخصية لبعض هؤلاء النقاد، سواء بسبب معرفتها شخصيا أو معرفة كتاباتها، أو أن أعينهم منصبة على ما صُور عليه الأمر في وسائل الإعلام في الخارج، يمنعهم من فهم تجربة جيل ما بعد أوسلو الذين هم الآن في الجامعات الفلسطينية في هذه القضية على وجه الخصوص. وأرجح أن أغلبية من طلبة جامعة بيرزيت لم يقرؤوا ما تكتبه هاس وربما لم يسمعوا بها أيضا. وقد تشعبت وتفرعت وتعددت مداخل ما كتب في وسائل الإعلام والمواقع المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعي والمراسلات الشخصية حول هذه القضية، إلى درجة أن الموضوع الأساسي وحقيقة ما حصل في حينه ضاع تقريبا في ركام هذا الكم المتراكم من الموضوعات. ذلك أن السبب الوحيد، في حينه، الذي دفع منظمي المؤتمر، في تلك اللحظة، إلى الطلب منها المغادرة، هو الخشية من رد فعل الطلبة الذين بدؤوا بالتنادي للتجمهر والاحتجاج، عند رؤية ما كتبت في سجل المؤتمر من أنها تمثل صحيفة هآرتس الإسرائيلية، وكما قالت هي في مقالتها في ذات الصحيفة حول الحادث. وأكرر، أن السبب الوحيد هو خشيتهم من أنهم لن يتمكنوا من الحفاظ على سلامتها في حال تطورت الأمور إلى الأسوأ، حتى لو كانت هذه الخشية تتعلق بما يمكن أن يقوم به نفر يسير من الطلبة. وهو أيضا نفس السبب الذي أعطته الجامعة في العام 1998 عندما رفضت قبولها لدراسة اللغة العربية في الجامعة. وقد رأت أن تشير إلى رفض الجامعة هذا في مقالتها في جريدة هآرتس، أي أن للجامعة سجلاً من السوابق بالتمييز على أساس الدين فيما يتعلق بالإسرائيليين كما قالت وأولت هي الأمر. أما بخصوص حكمة القرار بالطلب منها المغادرة، فلا توجد حكمة بأثر رجعي بعد الحدث، وهي نقطة انطلاق وموقع نقاد هذا القرار الذين هم ليسوا في موقع المسؤولية. وما هو ذات صلة في ظرف مثل هذا، هو فقط ما بان وظهر وبدا في حينه وفي حكم المنظمين ومن يتحملون المسؤولية. وهو دائما حكم يحتمل الصواب والخطأ، والترجيح والتوزين، ولا سبيل إلى غير ذلك في شتى مرامي الحياة.وقد أحجم منظمو المؤتمر عن الإفصاح عن ذلك علنا حتى الآن، أو حتى الدفاع عن القرار أو شرحه وتبيان أسبابه، الأمر الذي فتح الباب للوم والعتاب والوعظ والإرشاد، من باب اللطف والكياسة، والتقريع والتجريح والتهديد، وما يقارب الشتم أحيانا، من باب الصراحة، بما في ذلك على صفحات جريدة هآرتس الإسرائيلية التي كتبت فيها عميرة هاس نقدا لاذعا مجلجلا لجامعة بيرزيت ترددت أصداؤه خارج البلاد. هذا على ما يظهر، بافتراض أن هذا هو المكان الأمثل والأفضل والأنسب لتوجيه هذا النقد اللاذع على صفحات هذه الجريدة وأمام قرائها الإسرائيليين والأجانب، من قبل متضامنة مع معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال!.قلت، إن الأمر في بعض أبعاده لا يتعلق تقريبا بعميرة هاس. ذلك أن بعضنا ما زال يذكر عندما كنا تحت الاحتلال المباشر قبل إنشاء السلطة الفلسطينية، كيف كانت تتم بشكل دوري الأنشطة التضامنية بالاشتراك مع طلبة من الجامعات الإسرائيلية، عرباً ويهوداً، وفي جامعة بيرزيت أيضاً، ومحاضرات وزيارات لأمثال ليئا تسيمل وفليتسيا لانغر وإسرائيل شاهاك وآخرين غيرهم. وكان مجلس الطلبة في الجامعة طرفا أساسيا في هذه العلاقات والزيارات والوفود، بخلاف ما صدر مؤخرا من بيان من الكتل الطلابية في جامعة بيرزيت، يشجبون حضور هاس لهذا المؤتمر، ويعتبرون حضور الإسرائيليين اليهود تطبيعا مرفوضا كموقف قطعي لا يبان في صياغته أنه يحتمل أية استثناءات واضحة.ماذا حصل في الأثناء؟ ما هو سبب هذا التغيير؟ هذا هو السؤال الأساسي الذي يجب الإجابة عنه. وأنا أستحث الزملاء والأصدقاء وآخرين أيضا ممن تحاملوا على الجامعة وأشبعوها تقريعا الإجابة عن هذا السؤال، ومن باب مصارحة الذات أيضا.وبدوري، أرى أن لجان التضامن الإسرائيلية المختلفة، مع الجامعات الفلسطينية وغير الجامعات، والتي كان لها حضور واضح في الماضي قد اندثرت ولم يعد لها أثر يذكر، إما بفعل التحول المطرد نحو اليمين بين الإسرائيليين اليهود والذي ما فتئ يزداد تطرفا، أو بفعل وهم مسار السلام بعد أوسلو، أو أسباب أخرى. وما هو هذا الاحتلال المؤقت الذي دام سبعة وأربعين عاماً وعاصرته ثلاثة أجيال من الفلسطينيين؟ ومن هو الإسرائيلي الذي يعرفه الجيل الحالي من طلبة الجامعات؟ إنه الجندي على الحواجز الذي يهين ويهدر الكرامات ويأمر بخلع الثياب، أو الجندي الذي يأتي في غارة للاعتقال أو هدم البيوت أو قتل المطلوبين، أو المستوطنون قاطعو أشجار الزيتون، قاطعو شجرة الحياة لكل مزارع في كل قرية، وفي حماية جيش إسرائيل. أين هو الإسرائيلي اليهودي المتضامن والمناضل سويا؟ لا حاجة للاستطراد. إنه الغضب المكبوت على ظروف الحياة، هذا الغضب الموجه نحونا أيضا الآن: إلى المستكينين إلى الوضع الراهن والأمر الواقع ومسار السلام والقلة المستفيدة منه. أو هكذا يمكن أن يفهم بيان الكتل الطلابية وتصريحات بعض ممثليها القطعية في وسائل الإعلام.أقول هذا من منطلق تفسير ما حصل وليس ضرورة من منطلق التبرير، أي نقاش الشرعية السياسية، أو الشرعية العملية والنفعية، لما هو أنسب من موقف. هذا يلزمه نقاش آخر قد ينتهي بالحديث عن البنود التفصيلية لبرنامج المقاطعة وعلى من ينطبق وتحت أي ظرف ينطبق. غير أن المفارق قي كل هذا أن عميرة هاس نفسها وفي مقابلة نشرت على موقع عرب 48 (28-9-2014)، قالت، وأنا أنقل كلامها حرفياً: أنا أتفهم عدم تقبل الفلسطينيين لأي شخص أتى من الدولة التي تسلبهم حقوقهم وحريتهم. الغريب هنا أن هذا التفهم لم يظهر بأي شكل من الأشكال في مقالتها باللغة العبرية، وكذلك الأمر في الطبعة الإنكليزية لجريدة هآرتس. فعلى ما يظهر، هذا كلام يقال فقط بالعربية!.