جامعة بيرزيت.. الحل كما أراه

قبل البدء لدي نقطتان، الأولى أن جامعة بيرزيت حبة عيني، فقد تعلمت وعلمت فيها، ولو أنني علمت فيها مئة سنة أخرى لما وفيتها حقها فهي علمتني الكثير من القيم، وانس الدروس. والنقطة الثانية: قال لي أحد نواب رئيس الجامعة – وكان زميل دراسة –: أتذكرك وأنت تقفل باب الكافتيريا المركزية بالجنزير بصحبة زميلنا حاتم. نعم، أنا أيضاً كنت طالباً مشاكساً من أصحاب الجنازير. وقد اعتذرت للمرحوم د. جابي برامكي في قاعة غاصة عن سلوكنا السابق، اعتذرت بعد 35 سنة، وقلت له إن محبتك لنا رغم جنازيرنا كانت تربية لنا.
والآن يغلق الطلبة الجامعة كلها بالجنازير. وسأتوقف تماماً عن بث عواطفي لكي أستعرض ما أعتقد أنه الحل المناسب.
تقدم جامعة بيرزيت ما تظنه تدريساً نوعياً، إذ لا يحتشد في المدرج مئة طالب، بل يقعد في الصف خمسة عشر طالباً. وفي هذا غرم ثقيل. وبنيتها الإدارية تعاني من بعض الترهل، وفي هذا بعض الغرم، وتلتزم بتقديم مساعدات لأصحاب الاحتياج رافعة شعار لن يكون الفقر حائلاً دون إكمال الطالب لتعليمه، وهذا شعار جميل ولكنه يحتاج إلى براميل كثيرة من النفط كي يتوهج. ولا تنال الجامعة من الحكومة الدعم الموعود، ولا تنال من التبرعات ما يسد الرمق. ومن هنا فهي عاجزة مالياً عجزاً مزمناً.
جامعة بيرزيت أمام خيارين: أن تهدم جدران الجبس فيما بين الصفوف الصغيرة وتحولها إلى مدرجات. وتستوعب بدل العشرة آلاف طالب خمسة وعشرين ألفاً. ثم، تضع خططاً فاعلة للتقييم: امتحان شامل، وتحكيم للأبحاث الخ. وهذا يعني الابتعاد بقدر كبير عن نظام الساعات المعتمدة. وبالمناسبة نظام الساعات المعتمدة غير مذكور في القرآن.
الخيار الثاني: أن تصر الجامعة على تميزها على الطريقة الحالية، وأن تتخلى عن شعار يستحيل تطبيقه في الظروف الحاضرة، وأن تسعر ساعاتها المعتمدة تسعيراً صحيحاً يبقيها جامعة غير ربحية وغير خاسرة، فمن شاء فليدرس ومن شاء فليذهب إلى جامعة أخرى.
وأرى أن الخيار الأول هو فقط الصحيح. فالدروس والصفوف في الجامعة ليست جوهر بيرزيت. جوهرها انفتاحها والحراك الطلابي والثقافي والأنشطة المختلفة، ويمكن تعزيز كل هذا مع وجود المدرجات. وقلة عدد الطلبة في الصف، الأمر الذي تفاخر به الجامعة، ليس ميزة أصلاً.
على طريقة المدرجات قام الأستاذ محمود العطشان بتدريسنا رواية نجيب محفوظ الطريق. طلب منا قراءتها، وقال إنه سيكشف في المحاضرة المقبلة عن السر الفلسفي وراءها. وجئنا إلى المحاضرة المقبلة متحمسين، وعرفنا السر: فنجيب محفوظ قد جعل من الله سبحانه وتعالى شخصية أساسية في الرواية، وتمكن، بلا أي تجديف أو مساس بالدين، أن يصور حال الإنسان مع ربه. ناقش الأستاذ العطشان، وهو من كبار الأساتذة، الرواية في خمس دقائق فقط. وقمنا نحن الطلبة بعد المحاضرة بمناقشتها فيما بيننا طويلاً، واستعاد كثيرون منا قراءة بعض فصولها. كان دوره توجيهياً، لا مدرسياً.
وإن ظننت أن هذا لا يصلح للرياضيات والكيمياء، فاعلم أنه يصلح. وبوجود اليوتيوب يصلح هذا أيضاً في تعليم اللغات. نظام المدرجات يستطيع إخراجنا عن الطريقة المدرسية، ثم إنه أرخص بكثير، وفي مقدوره أن يقلص عدد الأساتذة، ولعل أي طالب جامعي في الدنيا يوافقني بسرعة على أن الأساتذة المفيدين حقاً ندرة نادرة.
قد يظن بعض الناس أن نظام الساعات الحالي يتيح داخل الصف قدراً كبيراً من النقاش والتفاعل الأكاديمي. لا. هي صفوف يتدرب الطلبة فيها على النسخ. والأفضل أن يترك الطالب وحده كي يتعلم. قال ملايين التربويين إن الأساس ليس التعليم بل التعلم، وانتقال جامعة بيرزيت إلى نظام المدرجات انتقال حميد من التعليم باتجاه التعلم.
ستتخلص الجامعة من عجزها المالي المزمن، وستصبح جامعة أفضل على نظام المدرجات. بعدد أقل من المحاضرات، وبقدر أكبر من البحث ومن التعلم، وبضوابط فاعلة للتقييم، مع بقاء كل الأنشطة لا بل تعزيزها، ستصبح جامعة بيرزيت أنجح.. وأبحبح.