قصر الحمراء  

أتت رسالة القبول من جامعة بيرزيت، التي يحمل شعارها شجرة الزيتون. وكان برنامج الدوام أيضاً يحمل شعار الجامعة، لكن المكان لم يكن هو الجامعة، بل كان قصر الحمراء وجمعية الشبان المسيحية في رام الله. ولم يكن أي من المكانين يشبه الجامعة، بل شكلا معاً المكان القسري لاستمرار العملية التربوية والرد الفلسطيني على سياسة التجهيل التي اتبعتها سلطات الاحتلال أثناء سنوات الانتفاضة الأولى بإغلاقها الجامعات والمدارس.

كان قصر الحمراء وبيوت المدرسين ومساكن الطلبة بداية حياتي الجامعية في جامعة بيرزيت، التي لم تطأ قدماي أرضها إلا بعد ستة شهور، وذلك بعد أن سمحت سلطات الاحتلال لإدارة الجامعة بإعادة فتحها. لم يكن إغلاق الجامعة هذا هو الأول، فلبيرزيت تاريخ طويل مع القرارات العسكرية الإسرائيلية في الإغلاقات وتنغيص حياة الطلبة والعاملين.

كنا ندرس ونتعلم في قصر الحمراء وكأننا نمضي عقوبة، فنمكث 50 دقيقة مرتين إلى ثلاث مرات في اليوم في الصفوف حيث البرد قارس. ومع أن هذا ليس أمراً ذا أهمية، إلا أن المفارقة لافتة، فهذا كان يحدث بينما كان يتوفر لنا كطلبة أحدث وأرقى وأجمل المباني والحدائق والمرافق في حرم الجامعة الجديد، لكننا كنا ممنوعين من استعمالها ومحرومين من التعليم وتطوير أنفسنا وممارسة حياتنا بشكل طبيعي كطلبة أي شعب من شعوب العالم. إنه الاحتلال بواحدة من ممارساته التي تنم عن جوهره العدواني.

إن الذهاب إلى الصفوف في قصر الحمراء له دلالة ومعنى خاص، فالمكان لا يبعد سوى مئات الأمتار عن "المنارة" مركز مدينة رام الله، والزمان هو أوائل التسعينيات، حيث ذروة الانتفاضة الأولى والتحرك الشعبي ضد الاحتلال. هنا يختلط الزمان بالمكان ويفرضان عليك دوراً يتعدى مجرد كونك طالباً تحضر لدرجة البكالوريوس، وتجد نفسك غارقاً في التفاعل مع القضايا العامة.

دخلت حرم الجامعة لأول مرة كطالب بعد ستة شهور من قبولي. وكنت أعرف جامعة بيرزيت قبل ذلك فقط كمشارك في النشاطات العامة، كاحتفالات انطلاقة مختلف الفصائل الفلسطينية أو في تأبين الشهداء، وأحياناً في "رحلات خاصة" يقوم بها من كانوا في سن المراهقة مثلي. أما وقد أصبحت طالباً فيها، فقد اختلف دوري ووجدت أنها ليست بعيدة عن المخيم، أو السجن أو النشاط السياسي، وهي مكونات هويتي قبل دخولي إليها كطالب، والتي صهرتها الجامعة في هوية واحدة.

في منزلي اليوم عشرات الصور والأوراق والوثائق التي لخصت حياتي في الجامعة، يضاف لها ملف خاص عن فترة اعتقالي سنة 1995 لمدة 70 يوماً في مراكز التحقيق الإسرائيلية. في هذا الملف تلاحظ مدى اهتمام الجامعة بموضوع اعتقالي عبر مكتب العلاقات العامة فيها، والذي لم يتوان عن إرسال عشرات الرسائل للأمم المتحدة ولمنظمة "بتسليم" وللكثير من المؤسسات الحقوقية الدولية. كما كان محامي الجامعة إيليا ثيودوري يواظب على زيارتي في كافة مراكز التحقيق خلال اعتقالي ومثلني أمام المحاكم العسكرية، وأشرف على الإفراج عني في الساعة الأخيرة.

وهذا دليل على الفلسفة التي تقوم عليها الجامعة، والتي لا تتمحور حول العلم والأقساط فقط، بل حول الدور الوطني الريادي أيضاً. فالجامعة بهيئاتها المختلفة تمنح الطالب كلُ الرعاية والاحتضان ليس فقط في أروقتها بل حيثما وجدوا.

الآراء الواردة في المدونة تعبر عن رأي كتابها، وليس بالضرورة عن رأي الجامعة.