رسالة من رئيس جامعة بيرزيت في اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني

أصدقاء جامعة بيرزيت الأعزاء، 
أتمنى أنكم بخير وبصحة جيدة.

أكتب لكم هذه الرسالة والعالم يحيي اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، ونحن ما زلنا نعيش فيه في سياق استعماري يحاول إعاقة تقدمنا الأكاديمي الطبيعي، وفي نفس الوقت الذي نواجه فيه مع العالم تحديات جائحة كورونا، التي شكلّت تحديًا صعباً علينا كإدارة وأكاديميين وطلبة.
خلال الأشهر الماضية، عانى آلاف الفلسطينيين من هذه الجائحة التي أعاقت مسار حياتنا الطبيعية وأثرت على كافة مناحي الحياة، لاسيما قطاع التعليم، الذي حُتّم عليه انهاء التعليم الوجاهي والتوجه للتعليم الالكتروني.
وفي جامعة بيرزيت، منذ بداية أزمة كورونا، كانت أمامنا فرصة: توفير مساحة للمقاومة وإيجاد بدائل لمواصلة التعليم وإنتاج المعرفة، وللإبداع والابتكار. فاستثمرت الجامعة ربع مليون دولار لتطوير البنية التحتية الرقمية وخوادم الإنترنت، لمواصلة التعليم ودعم العملية التعليمية والتعلمية الإلكترونية لأكثر من 15 ألف طالباً وطالبة.
كانت استجابة الجامعة لهذه الجائحة غير المتوقعة سريعاً وآنياً، فاعتادت الجامعة على مواجهة التحديات التي تعيق حريتها الأكاديمية ومسارها الطبيعي والتي تتمثل ب: الاحتلال الإسرائيلي.
ولئن كان انتهاك الاحتلال الإسرائيلي لحقنا في التعليم مستمراً، وليست هناك دلائل على قرب انتهاء جائحة كورونا أيضاً، وهما تحديان حقيقيان وخطيران على قطاع التعليم العالي في فلسطين؛ فإننا نرى أن هذه التحديات تحفز الابتكار دوماً، فنحن نؤمن أن التعليم ليس فقط حقّاً أساسيّاً من حقوق الإنسان. إنه حق تمكيني له تأثير مباشر على تحقيق جميع حقوق الإنسان الأخرى. والتعليم منفعة مشتركة عالمية ومحرّك رئيسي للتقدم على صعيد أهداف التنمية المستدامة، باعتباره الأساس الذي ترتكز إليه المجتمعات السلمية العادلة والقائمة على المساواة والشاملة للجميع.
ولكن لعلَّ ما يميز بيرزيت أن قصتها مليئة بالتحديات والنجاحات، من أجل جودة التعليم والالتزام بالقيم والرسالة الراسخة منذ تأسيسها.
لقد استهدف الإسرائيليون طلبة الجامعة وهيئتيها الأكاديمية والإدارية، فمنذ عام 1973، أغلق الاحتلال الاسرائيل الجامعة خمسة عشرة مرة، واعتقل المئات من طلبتها، واستشهد العشرات، وانتهكت حرمة حرمها باقتحامها 17 مرة، كانت آخرها في 26 آذار 2019.  وما زلنا حتى اليوم نقاوم المحاولات الإسرائيلية الهادفة للسيطرة على حريتنا الأكاديمية وأنشطتنا الجامعية.
إن سعينا لتكييف أنفسنا وأنظمتنا للتعامل مع هذه الجائحة وإيجاد حلول تدعم استمرارية عملية التعليم، يأتي انطلاقاً من تمسكنا بقيم الجامعة التي تتمثل أبرزها في تقديم تعليم متميز. كما أن رسالتنا واحدة وواضحة منذ التأسيس، وتتمحور حول توفير بيئة مستنيرة ذات استقلالية، تحفز على الإبداع والابتكار في التعليم والتعلم والبحث، لرفد المجتمع بالكفاءات والمعارف لقيادة التغيير والمساهمة في رقيّ المجتمع وتقدمه.
وفي هذا السياق، أطلقت الجامعة أربعة برامج جديدة تؤدي إلى درجة الماجستير وذلك في القانون العام، والقانون الخاص، والهجرة الدولية ودراسات اللاجئين، وفي هندسة الحاسوب، إلى جانب إطلاق برنامجاً يؤدي إلى درجة البكالوريوس في الدراسات الدولية. كما استطاع خمسة من أكاديمي الجامعة أن يكونوا ضمن أفضل 100 ألف باحث عالمي، ومن أعلى 2% من الباحثين في مجالاتهم الفرعية، وحصد طلبتنا العديد من الإنجازات في مسابقات دولية في مجالات البرمجة والقانون وغيرها.
لم تكن الجامعة لتستطيع الحفاظ على مستوى عالٍ من المخرجات التعلمية في ظل الحاجة الملحة لعولمة عمليتها التعليمية وإدماج التطور الإلكتروني بمفردها. فنحن فخورون جدّاً بشبكة داعمي جامعة بيرزيت القوية وخريجيها في مختلف الدول العربية والعالم، فقد كان لهم دور هام في دعم طلبتنا وتوفير المنح الدراسية لهم ودعمنا في مواصلة مسيرتنا الأكاديمية. وما زلنا نأمل أن يتواصل هذا الدعم، لنواصل مسيرتنا ونؤدي رسالتنا.
لقد استطعنا، منذ تأسيس الجامعة عام 1924، تخطي حواجز المكان جغرافيّاً ولغويّاً وثقافيّاً، وبسياقاته السياسية الاقتصادية، وتحدياته، لأننا نعي أن العلم والمعارف هي فعل جمعي إنساني. ومن هذا الوباء، تعلمنا كيف نكون أكثر مرونة في الاستجابة للاحتياجات العالمية، وأدركنا دورنا الحاسم في إنتاج المعرفة عن طريق البحث والابتكار. 
هناك العديد من الدروس التي تعلمناها وجعلتنا نعيد التفكير بعلاقاتنا بعضنا مع بعض كأفراد ومؤسسات ومجتمعات، فنحن أقوى مجتمعين ومتحدين ومتعاونين
في يوم التضامن مع القضية الفلسطينية، نشكر كل من دعمنا، ونتوسم أن يستمر هذا الدعم، لنكمل المسيرة ولتظل جامعة بيرزيت منارة للعلم والمعرفة وقيم الحرية والتحرر، إيماناً بأن التعليم حق أساسي ورسالة سامية. ونأمل أن يتخلص العالم من هذه الجائحة الصعبة، التي سنتجاوزها كما تجاوزنا كل المعيقات التي وقفت في طريقنا.
 

مع خالص الاحترام والمحبة،

عبد اللطيف أبو حجلة

رئيس جامعة بيرزيت