جامعة بيرزيت والانتفاضة الأولى

تمر هذه الأيام الذكرى السنوية الـ 31 لقيام شاحنة إسرائيلية بدهس مجموعة من العمال الفلسطينيين عند حاجز "ايرز" العسكري الإسرائيلي بتاريخ 8 كانون أول 1987، الجريمة التي كانت شرارة لاندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي جابت كل مدن وقرى ومخيمات فلسطين، حتى توقفت نهائياً مع توقيع اتفاقية "أوسلو" بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993. 

وتزامن انطلاق الانتفاضة الأولى عام 1987، مع مرحلة هامة من تطور جامعة بيرزيت وصولاً إلى ما هي عليه الآن، حيث  كانت الجامعة تنتقل إلى الحرم الجامعي الجديد، وتعمل بجد لتحديث البرامج الأكاديمية وتنفيذ أهدافها بالتوسع والتطوير لتلبية الاحتياجات التعليمية الفلسطينية المساندة لقضية التحرر الوطني.

وكان عليها أيضاً، أن تساهم في التصدي للضربات التي حاول الاحتلال توجيهها للجامعة بإبعاد رئيسها حنا ناصر عام 1974 إلى لبنان. ومقاومة محاولة إخضاع التعليم الفلسطيني كاملاً بموجب "الأمر العسكري 854" الصادر عام 1980 والذي جعل كل الشؤون الفلسطينية، بما فيها التعليم، تحت سلطة "الحاكم العسكري“.

وفي سنوات الانتفاضة صب الاحتلال جام غضبه على المدارس والجامعة والطلبة، فارتقى طلاب ولوحق آخرون وزج بهم في السجون، مانعاً استمرار حياتهم بصورة طبيعية، لاعتقاده أنهم القلب النابض للانتفاضة.

المدارس والجامعات، وقطاع التعليم بصورة عامة، كانت الأكثر تضرراً ربما، ذلك بأن سلطات الاحتلال عمدت إلى ملاحقة الطلبة بصورة خاصة لاعتقادها، الخاطئ بطبيعة الحال، أنهم الوقود الأساسي للانتفاضة، والمحرك الفعلي لأنشطتها. وعليه، فقد كان جنود الاحتلال الإسرائيلي يستهدفون الطلبة في طريقهم إلى مؤسساتهم التعليمية، ويحاصرون المدارس والجامعات للحيلولة دون خروج تظاهرات مناوئة للاحتلال، وفي حال نشوب فعاليات انتفاضية، كان جنود الاحتلال يقمعون تل التظاهرات بلا هوادة، وهو ما كان يسفر في كثير من الأحيان عن سقوط شهداء وجرحى، فضلاً عن المعتقلين الذين كان اعتقالهم يعني حرمانهم من مواصلة تعليمهم في هذا العام الدراسي أكانوا في المرحلة المدرسية أو في المرحلة الجامعية.  عبد الرحيم الشيخ - من كتاب سيرة جابي برامكي وتجربته في جامعة بيرزيت

دفعت أسرة جامعة بيرزيت ثمناً غالياً لممارسات الاحتلال القمعية، أقساها الإغلاقات المتكررة للحرم الجامعي، بداية من العام 1970 لمدة 15 يوماً، وتصاعدها إلى الإغلاق الأطول والأخير الذي تواصل بين عامي 1988 حتى 1992. وعن الإغلاقات المتكررة يقول رئيس الجامعة بالوكالة في حينه، جابي برامكي:

أعطينا دورساً بديلة في المباني التي قمنا باستئجارها في رام الله، وأعطينا بعض الدروس لطلاب القدس وبيت لحم في كل من مقر جمعية الشبان المسيحية، وجمعية الشابات المسيحية، ومدرسة المطران لمدة معينة، وقد تعرضت المكاتب التي فتحناها للهجمات واضطررنا إلى تهريب الطلاب إلى حرم الجامعة لاستخدام بعض المختبرات التي كانت تحتوي على معدات لا يمكن نقلها إلى مكان آخر. فالذي يمتلك العزيمة يكون مبدعاً وخلاقاً دون حدود، وإن كل هذه الترتيبات ما كان يمكن لها أن تنجح لولا تصميم الطلاب وأعضاء الهيئة التدريسية والموظفين. وقد استفادت الجامعات الفلسطينية الأخرى من تجربتنا، فقامت بالتدريس خارج الحرم الجامعي.   جابي برامكي - كتاب بيرزيت .. قصة مؤسسة وطنية

وحتى مذكرات الطلبة عن تلك الفترة، تزدحم بصورة المعاناة، وتجسد حالة عدم اليقين التي كانت تمر بها الجامعة والقضية بشكل عام، ولكن ذلك لم يثنيهم عن خلق آفاق جديدة لمسيرتهم توصلهم لارتداء "روب التخرج".

وعن هذا تكتب ابتسام بركات المغامرات التي بدأت منذ التحاقها بجامعة بيرزيت، حيث دخلت الجامعة كطالبة في كلية العلوم لتتخرج منها بشهادة بكالوريوس في الأدب، وتتوج الصدمات التي لاقتها بأن أصبحت كاتبة وشاعرة تحصد الجوائز والإنجازات المتلاحقة.

وأعضاء الهيئة التدريسية، كان لهم نصيب خاص من القمع والملاحقة الإسرائيلية، فمنهم من واجه محنة الاعتقال الإداري والإبعاد عن الوطن بدون سبب الا أنه عالِم فلسطيني، مثل مدرس الفيزياء في جامعة بيرزيت تيسير عاروري، حيث اعتبرته المؤسسات الحقوقية "سجين ضمير" في المرتين اللتين تم اعتقاله بهما  في أعوام 1974 و1988، وكتب عن اعتقاله الأخير وإبعاده عن فلسطين، يقول:

قامت حملة تضامن واستنكار لاعتقالي أوسع بكثير من المرة السابقة. حيث شارك بها مثقفون وعلماء ونقابيون وسياسيون ومنظمات حقوقية ومهنية من العديد من دول العالم. لعل أهمها الرسالة المفتوحة التي نشرت في النيويورك تايمز وفي الجيروساليم بوست على صفحة كاملة موجهة إلى وزير "الدفاع" الإسرائيلي (إسحق رابين) تطالبه بإلغاء قرار الإبعاد خارج الوطن. وقد وقعها قرابة 1400 من علماء الفيزياء والرياضيات بينهم 12 من الحاصلين على جائزة نوبل. وقد تكون هذه الوثيقة الوحيدة في العالم التي تحمل هذا العدد من تواقيع فيزيائيين ورياضيين. تيسير عاروري. جامعة بيرزيت: قصة مؤسسة وطنية

ممارسات التضييق على أعضاء الهيئة التدريسية لم تقتصر على المعلمين الفلسطينيين، حيث استخدم "الأمر العسكري 854" لمنع رفد الجامعات الفلسطينية -ومنها بيرزيت- بالمدرسين من دول العالم، وهي السياسة التي تعيد سلطات الاحتلال الإسرائيلي اتباعها اليوم برفض تمديد تأشيرات الإقامة لثلث أعضاء هيئة التدريس الدوليين في بيرزيت، استمراراً لما يعانيه معظم الموظفين والأساتذة الدوليين من صعوبات في تجديد تأشيرات الإقامة، يضاف لذلك منع الفلسطينيين الحاملين لجنسيات أخرى من العودة والتدريس داخل فلسطين.

المزيد عن هذه الحقبة من حياة جامعة بيرزيت تجدوه في :

  •  عايدة عودة، جامعة بيرزيت: قصة مؤسسة وطنية. (2010) الفصل السادس: كيف تدير جامعة تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي - جابي برامكي. صفحة 53-62.
  •  عبد الرحيم الشيخ. (2005) سيرة جابي برامكي وتجربته في جامعة بيرزيت. الفصل الرابع: جامعة بيرزيت في مواجهة الاحتلال الصهيوني. صفحة 111- 177.
  •  تاريخ الجامعة.