تختار الفارس والفرس

ليست الثورة بالنسبة للثوريين مجرد تغيير نظام حكم أو تحررا من الاحتلال. من يثور لهذه الأغراض هم متمردون، منتفضون، ثوّار مؤقتون ضاقوا ذرعاً بتسلّط محدّد. أمّا الثوري فيريد تغيير وجه الكون وإعادة ترتيب الحياة. لهذا ظهرت الأديان وجاء الأنبياء، وهذا هو مسعى الفلاسفة العضويين المنخرطين في الحياة.
ينزعج الثائر كثيراً مثلا من القصة التي انتزعت هذا الأسبوع نصيبا من الإعلام العربي المنشغل بأحداث تاريخية في مصر وسوريا؛ قصة هروب الطفلة اليمنية ندى الأهدل (11 عاما) من بيت أهلها واستعانتها بجمعيات حقوق إنسان ووسائل التواصل الاجتماعي لتعلن للعالم رفضها الزواج، بعد قرار والديها تزويجها رجلاً يكبرها 25 عاما، في بلدٍ تُزَّوَّج 52% من فتياته قبل سن الخامسة عشرة.
في رواية الأقانيم الثلاثة، يمنح وسام الرفيدي نفسه اسمٌا مثقلا بالأساطير: كنعان. رواية مشتقة من تجربة الكاتب الشخصية؛ شاب ارتبط بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أراد أن يعيش الماركسية الثوريّة بحدها الأقصى منطلقا من وطنيّة فلسطينية. في عشرينياته، يشعر بعد أسطورة الصمود الفدائي في بيروت عام 1982 أنّه مكلف بموضوع ثِقَل الأرض المحتلة، أي نقل الثورة إلى الداخل الفلسطيني بعد خروجها من بيروت.
كان ينتظر حبيبته (خطيبته) في بيت قريب من جامعة بيرزيت، حيث درس وحيث تَدُرس، فيتلقى قرار الحزب: لا تقم بتسليم نفسك للجنود الذي يلاحقونك. كان إلقاء القبض عليه يعني اعتقالا لمدة وجيزة، أمّا الاختفاء فأمرٌ آخر. يقولون اختفِ، وهو يراها حلّق؛ كن ثورة وفينيقاً يَخرُج من رام الله والبيرة بعد التواري من بيروت. ولكنها ترفض. تقول خطيبته أين أنا من ترتيباتك؟ لماذا تُهملني؟ وتحسم الأمر: ليزوجك الحزب فدائية. وحتى بعد سنوات وبعد زواجها وإنجابها سيبقى الناس يلومونه أراد السياسة فلا يورط بنات الناس. موقف شبيه بفتاة تقول لوالدها من أراد أن يكون فدائيًّا عليه ألّا يتزوج وينجب أطفالا.
تمتد سنوات الاختفاء تسع سنوات من قذائف أشبال الآر بي جي في بيروت حتى صواريخ صدّام حسين في 1991. يجد وقتاً كبيرا أثناءها ليتعذب بذكرى خطيبته، التي لا يتهمها أبداً بأنّها كانت أنانية، بل يقول إنّها كانت ضعيفة. يصبح فيلسوفا بعد قراءة مئات الكتب والروايات. يَرُد وسام على نظام الرهبنة في الدين المسيحي الذي ولد عليه، بقوله إنّه ماركسي. ويتحدث عن عقيدته الخاصة المكّونة من أقانيم ثلاثة: الحياة – المرأة – الثورة. يبدو له أنّه حقق أقنومين؛ اقتحم الحياة واحترف الثورة. ولكن غياب الأقنوم الثالث يعذّبه. ويحدد المرأة التي يريد ليست مثل الحريم تنتظر الفارس على الفرس البيضاء، تختار هي فارسها وفرسه أيضاً، لها استقلاليتها.... يرفض كنعان الخيال الشعبي للفتاة التي تنتظر الفارس الآتي على الفرس البيضاء، ليخطفها (يخطبها). في واقع الأمر كثيراً، أو غالباً، ما تتنازل الفتاة، عن الفروسية والفرس، وتقبل بالزواج بمواصفات أقل كثيرا من الفروسية.
يريد كنعان امرأة يعيشها وتعيشه، فتغدو حقيقة، واقع، حياة يومية، تجربة مشتركة، رفقة وانتشاء ولذة، حينها فقط يمكن القول أعيشها.. عندما تنتشي وتلتذ بها ومعها، تنتشي وتلتذ هي بك ومعك، ولا يلغي أنّه يريد حياة تآزرٍ ومسؤولية. لم يبرح كنعان في حديثه عن أقانيمه الثلاث كثيراً الفهم الديني؛ فقد قال مفسرون للحديث النبوي، ومنهم القرطبي، من تزوج فقد استكمل نصف الدين....
في نهاية الرواية؛ بينما بساطير الاحتلال تحاصره مُلقى على الأرض تربكنا، يتذكر الرفيقة التي كاد أن يرتبط بها أثناء اختفائه، ورأى فيها الأقنوم الثالث، ولكن لأنها ممن يخترن الفارس ويحددن الفرس، تُقرر بعد أسابيع أنّهما غير ملائمين لبعضهما. لديها شجاعة القرار وأن تقول لا، مثلما لديها شجاعة الثورة والتمرد والعطاء. ويربكنا انتقاله المفاجئ من استحضار الحديث معها إلى الحديث مع نفسه وحوارها ولومها ومصالحتها. وهنا أيضا يذكرني بالآية القرآنية وخلقنا لكم من أنفسكم أزواجاً.
أنوي أنّ أسأل وسام رفيدي: أين وصلت الثورة؟ أين تقع ندى الأهدل في خريطة الثورة؟ أن أسأله عمّا بعد الاختفاء. وسيبقى السؤال المُشرَع متى ينتهي سؤال الرجل والمرأة في تاريخ الإنسان والثورات.