قصة جامعة

lrm;لكل جامعة في العالم تقريبا قصّة، لاسيما الجامعات الرائدة الأولى. هي أحياناً قصة مدينة، وقصّة شعب وثورة، وقصص حب؛ مثلما قد تصبح قصص خيبات وانحدار.lrm;قبل سنوات، حدثني الصديق المهندس العامل في الإنتاج التلفزيوني، القائد الطلابي الإسلامي السابق عماد الخطيب، عن مشروع برنامج تلفزيوني عن جامعات العالم وقصصها. كم جميلٌ لو تّم المشروع.lrm;عندما قرر الدكتور سري ناصر، المؤسس والرائد في قسم علم الاجتماع في الجامعة الأردنية، الانتقال بالطلبة إلى الميدان، في مساق تنمية وتنظيم المجتمع، بحيث ينقسم الطلبة إلى جُزأين يجوب أحدهما الطرقات ويطرق الأبواب، جمعاً للتبرعات، فيما يحفر الثاني الأرض بيده ويبني مراكز خدمات المجتمع، قوبل في حي نزّال في عمّان، في الثمانينيات، بردة فعل عنيفة رافضة. أزعجهم الجو الغريب، ومشهد الطلاب والطالبات معاً. وعلّمنا ناصر كيف خاطبوا العناصر القيادية بين شبّان وأهالي الحي.nbsp; كان درساً لم يُنسَ. تعلّمنا يومها معنى قادة الرأي، وتَعلّمنا أنماط القيادة في المجتمع. اقترب أحد الشبان الذين خاطبوهم حينها من مجتمع الجامعة، وأتم دراسته. وحدّثني عنه بعد سنوات طلبة جامعة سانت أندروز باسكوتلندا، والتي تأسست العام 1411م في إطار انقسام الكنيسة الكاثوليكية؛ إذ كان يَدرُس في المدينة التي تحمل الجامعة اسمها، وقد تقلصت إلى قرية سكانها 15 ألفا، ثلثهم طلبة.lrm;تذكرتُ قصة حي نزال وأنا أدرس نظرية ألبرت حوراني، الأستاذ اللبناني الأصل، والأسطورة في تاريخ جامعة أكسفورد، عن أهمية القيادات المحلية في تسيير شؤون المدينة العثمانية. وأكسفورد هي أول جامعة في العالم المتحدث بالإنجليزية، تأسست العام 1096، والتي لا ينفصل تاريخها عن توأمها اللدود كيمبريدج. فالأخيرة بدأت بهرب طلبة وباحثين من أكسفورد، ومن عداء أهلها والتشدد الديني فيها، في العام 1209، ليأسسوا جامعتهم. ولكن أهالي كيمبريدج لم يرحبوا بالشباب الغريب الوافد، وما تزال العلاقة متوترة بين الجامعة والأهالي حتى اللحظة، وكان عليّ العام الماضي، أثناء مكوثي هناك مؤقتّا، أن أسمع من الأهالي همساً وصراخاً ضد الجامعة. أدهشني في كيمبريدج أن أهم كلياتها قد تبرعت لتأسيسها نساءٌ قبل مئات السنوات، دفعن ميراثهن ومن ثرواتهن، مع أنّها كانت ممنوعة على البنات.lrm;كلما رأيت العنف في الجامعات الأردنية، خطر ببالي مسرح سمير الرفاعي في الجامعة الأردنية. كنت وما أزال أؤمن أنّ الحل هو معاملة الطلبة على أنهم أفراد بدون اعتبار لانتماءاتهم العائلية والعشائرية والجهوية؛ بنظام تحفيز هائل للإبداعات الفردية؛ الرياضية، والغنائية، والأدبية، والمسرحية، والعلميّة، فلا يعود الطالب من غزية يغزو إن هي غزت أو غوت!lrm;جامعة بيرزيت في فلسطين، المغلقة الآن بقرار مجلس طلبتها وكتلهم، احتجاجا على ارتفاع تكاليف الدراسة، كانت خيالاً أصبح حقيقة. كانت خيالا لبشر كثيرين، في سنواتٍ وأماكن متلاحقة متناثرة. خيال مؤسسِتها نبيهة ناصر التي أسّستها مدرسة لفتيات القرية ومحيطها العام 1924، ونمت لتصبح ثانوية، ولتمنح السنة الجامعية الأولى العام 1953، وأضيف الثاني العام 1961، فيما كان الطلبة يكملون الدراسة في جامعات أخرى.lrm;مررت بجامعات عدّة، لم أكن أصادف بريق العيون بالحب الذي يطلّ من عين سيدة لبنانية معمّرة، أو أستاذ عتيق، وأنا أخبره أنني من بيرزيت. كيف لا وهي الجامعة التي كان يشكل فيها قِطاف الزيتون، في مدن وقرى فلسطين في ليالي السمر والفرح، جزءا من ذكريات طلبتها الذين لن يتخرجوا إذا لم يقوموا بالعمل الاجتماعي التطوعي؟ كيف لا وقد كان قادة الثورة في بيروت يحلمون ويدعمون تأسيسها مطلع السبعينيات، لتكون حاضنة ثورية؟ هي الجامعة التي قررالإسرائيليون إغلاقها في ثاني أيّام افتتاحها، واستمرت. أغلقوها خمس عشرة مرة، وأغلقوا طريقها مئات المرات، وكان الطلاب والطالبات يتحدون الإغلاق بالمشي طويلا في القرى المحيطة؛ من الجلزون، وجفنا، وعين سينيا، وسردا، وأبو قش. أُبعد رئيسها حنا ناصر العام 1974، ورئيس مجلس طلبتها مروان البرغوثي العام 1987. وقُرب مكتبتها هرم لأسماء شهدائها. هي الجامعة التي اضطررت لعقاب مجموعة طالبات فيها العام الماضي لأنهن تأخرن عن المحاضرة وهن يشاهدن عرسا شعبيا فلسطينيا، تُحييه سيدات جميلات مُعمّرات، من القرية، بأثوابهن البّهية في يوم مفتوح في الجامعة.lrm;جامعة لا يجب أن يقبل العالم أن تُغلق.