لقاء الرئيس الفلسطيني بالطلبة الإسرائيليين

هناك جانبان يمكن نقاشهما في لقاء الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس، مئات الطلبة الإسرائيليين في المقاطعة؛ مقر القيادة الفلسطينية في رام الله، قبل أيام. أولهما، مبدأ انعقاد اللقاء. وثانيهما، فحوى الخطاب الذي قدّمه عبّاس.
في شكل اللقاء، لا شك في أنّ مثل هذه اللقاءات خلافيّة، ومن غير السهل على الشارع التعامل معها بشكل طبيعي، أو أنْ لا يتعامل معها على أنّها غير تطبيعية، وأنْ يتساءل: ما هو الثمن والنتيجة؟ ولكن اللقاء يشكل من وجهة النظر الفلسطينية الرسمية، جزءا من مخاطبة الرأي العام الإسرائيلي، رداً على تعنت الحكومات الإسرائيلية؛ وتقويةً للفريق المؤيد للتسوية بين الإسرائيليين، وردا على الدعاية المتطرفة. ولا يمكن حسم أمر شكل اللقاء أو فهمه تماماً، قبل فهم مضمون خطاب الرئيس عبّاس.
يتلخص الخطاب في تركيز الرئيس الفلسطيني على فكرة الشرعية الدولية، القائمة على قرارات الأمم المتحدة؛ وعلى هدف تحقيق الدولتين. ويبدأ الرئيس الرواية من هنا، ويوضح جهوده وإخلاص الفلسطينيين في السعي إلى السلام على هذا الأساس. ويرد على الدعاية الصهيونية عن عدم وجود شريك، ويدحض فكرة الإرهاب الدبلوماسية. ثم يُعرّج على ما يتعلق بالخطاب الصهيوني، التاريخي، المتشكل من عوامل عدة، منها اللاسامية والمحرقة النازية (الهولوكست)، ويؤكد عدم إنكاره لها، وأنّ الدين الإسلامي أيضاً ضدها، لأنّ من قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا. ويعالج فكرة الدولة اليهودية. ويتمحور الخطاب الفلسطيني على أنّ الحكومات الإسرائيلية ابتدعت هذا حديثاً، لعرقلة السلام. وأنّ المكان الحقيقي لطرح هذه المسألة هو الجمعية العامة للأمم المتحدة، وليس الفلسطينيين. بل وفي تطمين ضمني بشأن مسألة هوية الدولة وتركيبتها الاجتماعية، يطرح عبّاس أنّه لا ينوي أبدا طرح عودة خمسة ملايين لاجئ إلى أراضيهم الأصلية وبيوتهم (بالطبع لم ترد في الخطاب الإشارة إلى أراضٍ أو بيوت)، ويؤكد أنّ شيئا في ملف اللاجئين لن يتم من دون موافقة إسرائيل، هذا رغم الإشارة مسبقا أنّه لا ينوي طلب العودة.
تلخيص ما سبق يمكن أن يوضع في العبارة التالية: الخطاب الفلسطيني هو خطاب قائم على الشرعية والقانون الدوليين؛ وردَ فيه تطمين بشأن الأبعاد الأيديولوجية الدينية والتاريخية الصهيونية، وإن رفضَ الجانب الفلسطيني الاعتراف بمسألة الدولة اليهودية. ولكن موضوع التطمينات بشأن اللاجئين والتركيبة الاجتماعية الإسرائيلية، هو تسليم ضمني بمقولات صهيونية. وموضوع حق اللاجئين أفضل من يرد عليه هو الرئيس عبّاس نفسه، الذي قال الشهر الماضي، أمام وفد من مدينة القدس: إنّ حق العودة مثل الزواج؛ حق شخصي. للإنسان الفلسطيني أن يقرر، يريد ما يريد، يختار ما يختار. ومن هنا، فإنّ اللاجئ الذي يبحث عن حقه، يبحث في خطاب الرئيس الفلسطيني، أول ما يبحث، عن الرواية التاريخية لقصته ومأساته. وأشار الرئيس عبّاس إلى أنّ اللاجئ يجب أن يرضى. ولكن اللاجئ يستغرب أن يقال إنّه لن يكون ضمن سيول العائدين. وبالتالي، أنّ عليه ألا يأمل كثيراً. والأكثر ألما ربما أن لا تُذكَر روايته في إطار الحقوق التاريخية والإنسانية. هو يتوقع من رئيسه تطمينات له هو، خصوصاً أنّ الرئيس الفلسطيني في لقائه مع الطلبة الإسرائيليين، وبحضور طلبة فلسطينيين، قال إنّه يتحدث بلغة واحدة أمام الجميع. لذلك، يتوقع اللاجئ أن تُروى روايته، وأن يحصل هو على تطمينات بأن قضيته لم تُلغَ ولم تنتهِ على عتبة التطمينات بشأن التركيبة الاجتماعية الإسرائيلية.
الغائب الأكبر في الخطاب الفلسطيني مؤخرا، هو خطاب الحقوق الإنسانية والوطنية التاريخية والقومية، لصالح خطاب الشرعية الدولية. والهدف هو تطمين الإسرائيليين والمجتمع الدولي. ولكن الحقيقة أن هذا الغياب يحذف من المشهدnbsp; شيئا مهماً، هو الثمن الذي تعرضه القيادة الفلسطينية مقابل حل الدولتين.
كان حريا أن يسمع الطلبة الإسرائيليون (هذا من دون الجدال في موضوع مبدأ استضافتهم)، عن روابط اللاجئ الفلسطيني التاريخية والعائلية والنفسية والمادية بأرضه في حيفا ويافا وعكا وصفد والمجدل وعسقلان، حتى لو طرح ذلك في إطار الحديث عن تسوية.
الثمن السياسي لتغييب الشق الخاص بالحقوق التاريخية الفلسطينية في كل فلسطين باهظ، حتى عند الحديث عن حل الدولتين.