النانوتكنولوجي، المجتمع، والتعليم

منذ بزوغ شمس الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر حظي العالم بالعديد من المنجزات التقنيه، كالآله البخاريه والسيارات والهواتف والكمبيوتر والإنترنت، التي غيرت مجرى الحياة وطبيعتها عبر تغيير الأعمال والأفكار والمفاهيم والقيم والسلوكيات. من جهة تأثيرها، يمكن النظر للتكنولوجيا على أنها الحسناء والوحش في ذات واحدة. فبفضل التكنولوجيا تم إيجاد مصادر جديده للطاقه وللغذاء، وتطورت الرعاية الصحيه، وتنوعت وسائل النقل والإتصال، وغيرها الكثير. ولكن ذات التكنولوجيا تسببت في إزدياد التلوث البيئي، وانتشار القلق والأمراض النفسيه والعضويه، وكرست الإدمان على الحياة الإفتراضيه.
خلال العقدين الأخيرين شهد العالم بروز ثورة علمية جديده تعود جذورها لما يقارب نصف قرن، هي النانوتكنولوجي. إن تكنولوجيا النانو، كما يحلو للبعض تسميها، تعنى بتصميم وتصنيع واستعمال مواد تمتلك بعدا واحدا على الأقل بمقياس النانومتر، بحيث تكتسب المواد كنتيجة لذلك مواصفات ميكانيكيه، إلكترونيه، كيميائيه، فيزيائيه مغناطيسيه فريدة تنوع من استخداماتها وتزيد بشكل كبير جدا من فاعليتها. والنانوتكنولوجي بطبيعتها هي حقل تتداخل فيه العلوم الطبيعيه والهندسيه، وتتسع دائرة تأثيره لتشمل العديد من الفئات المهنيه والإجتماعيه، ومن ضمن هؤلاء العلماء والمهندسون ورجال الأعمال والحقوقيون وعلماء الإجتماع والبيئيون. كذلك فإن هنالك قطاعات كثيرة تفيد من هذا الحقل كتكنولوجيا المعلومات والطب والمواد المستهلكه والطاقه والصناعات الكيميائيه، وغيرها. وبحسب التنبؤات التي قدمها الخبير الأمريكي المعروف ميخائيل روكو فإن حجم إقتصاد الناتكنولوجي سيصل إلى ثلاثة تريليونات دولار بحلول العام ٢٠٢٠ وسيبلغ عدد العاملين في هذا القطاع حول العالم قرابة الستة ملايين. وبالنظر إلى الحجم الهائل لهذه السوق ولمنتوجاتها، فإنه من الضروري تحاشي الأخطاء والممارسات السيئه التي رافقت ثورات تقنية سابقه، عبر التأسيس لتحولات قائمة على الإستدامه عن طريق تحقيق توازنات إجتماعية-إقتصاديه، إقتصادية-بيئيه، واجتماعية- بيئية.
وكما كانت عليه الحال دائما، فإن الثورات التقنيه تؤدي فيما تؤدي إلى تغييرات بيئية ومجتمعية. من الناحية البيئيه، فإنه يسهل من ناحية المبدأ على المواد المتناهية الصغر كمواد النانو أن تنتشر في البيئه وتسبب التلوث في المياه والتدبة والهواء، وتتداخل بالتالي مع الد ورة الغذائيه والحيويه. هنالك بوجه عام نقص كبير في المعلومات والخبرات المتعلقه بمآل تلك المواد وما ينتج عن ذلك من مضار للبيئه، وهو ما يدفع حاليا بكثير من المجموعات والمراكز البحثيه حول العالم للعمل على تطوير أساليب إستعمال آمنة للمواد النانويه من جهه، وتشخيص واقتراح آليات للتعامل مع التلوث النانوي عند حدوثه من جهة أخرى، وعلى ما يبدو فإنه ثمة طريق طويلة يجب قطعها في هذا الإتجاه. أما فيما يتعلق بالبعد الإجتماعي، فإن هناك ضرورة بالغه للتوعيه بموضوع النانوتكنولوجي وبالمواد ذات الصله وبالتأثيرات المتعدده لتلك المواد التي يزداد عددها يوما بعد يوم، حتى يكون للرأي العام كما للجهات المعنية الأخرى دور في ضبط وتنظيم مخارج هذه التقانه والتقليل ما أمكن من آثار سلبية قد تنشأ عن إستعمالها. في هذا الإطار، هنالك مثلا أجهزة متناهية في الصغر يصعب رؤيتها أو كشفها، وهنالك ما يعرف بتكنولوجيات التعزيز البشريه التي قد تثير الكثير من مشاكل الخصوصيه الفرديه والمشاكل الأمنيه. كذلك فإن التطور المطرد في القطاعات الطبيه والدوائيه والذي من المتوقع أن يؤدي مع مرور الوقت إلى تزايد متطلبات الرعايه الصحيه وربما إرتفاع المتوسط العمري يتطلب ترتيبات متجدده فيما يتعلق بأنظمة التأمين الصحي والتقاعد وما شابه. وفي سياق متصل فإن إزدياد النشاط البحثي والتطويري من خلال الآفاق الواعده للنانوتكنولوجي يجعل من الضروري سن تشريعات مناسبه تضمن التقيد بأخلاقيات البحث العلمي وحماية حقوق الملكيه الفكريه.
إن مستقبل النانوتكنولوجي الواعد وتأثيرها الواسع يحتم بوتيرة متسارعة ضرورة تبني منهجية تعليمية ومهنية متخصصه. وبالنظر لكون الموضوع ذو طبيعة عابرة للتخصصات فإنه بذلك يتجاوز الحدود التقليديه للحقول العلميه والهندسيه ويزاوج بشكل ممنهج بين محتوياتها من أجل إعداد طاقات بشريه متسلحة بمعرفة ومهارات مهنية مستهدفه. وفي هذا المجال فإن الحزمه التعليمية تشتمل في إطارها الواسع على مواضيع نظرية معينه في العلوم الأساسية، ومعرفة تقنية بتصنيع وتوصيف المواد، إضافة إلى الإطلاع على إحتياجات السوق والجدوى الاقتصادية، بالإضافة إلىالاعتبارات الاجتماعية والبيئية.
لقد أضحت العديد من الجامعات في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك جامعات موجودة في بعض البلدان النامية، تقدم برامج أكاديمية تؤدي إلى درجات علمية مختلفه )بكالوريوس، ماجستير، دكتوراه( في علوم وتقنية النانو، حتى أن بعض البلدان المتقدمة أخذت بإدراج الموضوع ضمن مناهج التعليم في مدارسها الثانوية . ووفقا لتقرير اليونسكوالأخير للعلوم والصادر في عام ٢٠٢٠، فإن الابتكار له أهمية مركزية في التنمية الاقتصادية، وبما أن النانو وتكنولوجي بطبيعتها مفتوحة على الابتكار، فإنها بين مجالات أخرى كالتكنولوجيا الرقميه والتكنولوجيا الحيويه، تمنح الفرصه للبلدان النامية كي تتطور بسرعة قد تفوق بلدانا كان لها باع في التكنولوجيات السابقه، وذلك عن طريق البناء على تراكمات من التكنولوجيات غير المستغله، والاستفادة من مخاطر أقل. لذلك فإنه من الضروري تضمين علم وتكنولوجيا النانو ضمن مناهج التعليم في فلسطين. هنا يتوجب لفت النظر إلى التحديات التي تواجهها الجامعات المحليه في هذا المجال والمتمثلة بشكل أساسي في نقص الموارد البشرية المؤهلة، ونقص المعدات الثقيلة والمرافق البحثية المناسبة، بالإضافة إلى ضعف التعاون بين الباحثين في الجامعات المحلية. وعلى الرغم من هذا، هناك حاجة ملحة لتكثيف طرح مساقات و ورش عمل في مواضيع متعلقة بعلوم وتكنولوجيا النانو على مستويات البكالوريوس والدراسات العليا، والسعي لزيادة فرص التدريب والإبتعاث لباحثين وطلبه فلسطينيين في مختب ا رت متقدمة في الخارج. كذلك فإنه من الضروري العمل على تحديد استراتيجية وطنية في هذا المجال وتحسين التنسيق بين المؤسسات الأكاديمية والحكومية والصناعية، وعلى المدى المتوسط، العمل على إنشاء مركز وطني لأبحاث تكنولوجيا النانو، بحيث يكون مفتوحا أمام الباحثين المحليين بشكل متساو.
إن العمل في هذا الاتجاه أمر ضروري من أجل إنتاج الموارد البشرية اللازمة لمواجهة تحديات المستقبل ومتطلباته المتسارعه ضمن استراتيجية عامه تهدف لتعزيز النزوع للإبتكار وتوليد المعرفه سعيا للتنميه الإقتصاديه اولمجتمعيه.
nbsp;
أ.د. طلال شهوانعميد كلية الدراسات العليا-جامعة بيرزيت