جامعة بيرزيت منارة وستبقى منارة

لا يا أخي حسن ـ لا يمكنك أن تصنف بيرزيت (كما فعلت في مقالتك يوم أمس) أو تعود بتصنيفها بناء على حادثتين تبعد الأولى عن الثانية أكثر من خمس وعشرين سنة.
إن بيرزيت وجامعتها هي بالفعل منارة ـ منارة للحياة الليبرالية الحرة. والتي يحصل فيها، أو ما قد حصل، هو تماما لأنها منارة. وهذا لا يعني التعاطف مع ما حصل قطعيا، ولكن هذا هو الثمن الذي عليك أن تدفعه لأن تكون منارة حرية. والمرادف لذلك أن تكون مؤسسة بوليسية لا يمكنك أن تقول أية كلمة فيها وتسير الأمور بأساليب الضغط والربط والحزم، ويتخرج طلبة لا يفقهون الواقع ولا يتعاملون مع الأمور نتيجة تجارب – قد يكون البعض منها سلبية. ولكن الناس لا تتعلم إن كان كل شيء موضوعا في قالب ولا يوجد خطأ هنا أو هنالك.
إن الحرية الأكاديمة والليبرالية لها طقوسها يا أخ حسن وأنت أكثر المدركين لها. ونحن نخوض تجربة الليبرالية في وطن بدأت فيه الليبرالية تنسحب منها تدريجيا وضاع فيها الفكر الحر وبقيت بيرزيت منارة ساطعة يجب أن نعتز بها ـ حتى إذا شاح نورها بين الحين والأخرى.
قم بزيارة بيرزيت وارتع بالحرية الليبرالية في الجامعة. تنفس فيها الصعداء إن دخلتها. اسأل الطالب العادي – المحافظ وغير المحافظ: ما الذي جعلك تتقدم بطلب الالتحاق لجامعة بيرزيت؟. فيقول لك المحافظ قبل الليبرالي: إنه الجو المنفتح والمتفتح الذي يقبل كل الصيغ فيه هو الذي شجعني للتقدم بالقبول إلى بيرزيت. هذا هو تعريف المنارة، وهذه بيرزيت – منارة في واحة من الكبت الذي أصبح هاجسا لنا وللذين يعملون في التعليم والتعليم العالي بشكل خاص.
إن المنارة هي كيفية التعامل مع الأحداث والتعلم منها وليس البطش بالطلبة. ومن الناحية العملية البحتة، ففي حادثة جوسبان كان الطلبة أنفسهم هم من أنقذوا جوسبان، وفي الحدث الأخير مع القنصل البريطاني كان الطلبة هم الحامون له. والتالي لا تلم الطلبة بمجموعهم أو الجامعة بكاملها. وبالرغم من ذلك، فإنني أقول إن هذه هي التجارب التي تصقل المؤسسات التعليمية ومن المهم أن تستفيد منها في حوار داخلي حتى تبقى المنارة ساطعة.
في يوم من الأيام سألني أستاذ لماذا كنت أكرّس معظم كلماتي في حفلات التخرج (عندما كنت رئيسا للجامعة) حول الليبرالية والحرية ما شابه. فأقول لأن هذه هي ملح الحياة في الجامعة وبدونه لا تستقيم الأمور فيها. والحق يقال إن جامعة بيرزيت ما زالت منارة كما كنت تراها سابقا. وما تغير هو الوضع الصعب الذي كنا سويا نتمنى أن يزول بعد عودتنا من المنافي. ولسؤ الحظ لم يتغير الوضع بل زاد تعقيدا. وفي هذا الوضع المتعقد، وبالرغم منه، فإنني متأكد أن جامعة بيرزيت ستبقى – كما عهدتها سابقا يا أخ حسن - منارة للحرية وواحة للديمقراطية نعتز بها جميعا.