جامعة بيرزيت مغلقة.. والحكومة صامتة

للأسبوعِ الثّالثِ على التّوالي يواصلُ مجموعةٌ من الطلبة، بتأييد من مجلس الطلبة، إغلاقَ جامعة بيرزيت ومنعَ الأساتذة والموظفين والعاملين فيها من الدخول إليها على خلفيّة رفض قرار الجامعة القاضي بتثبيت سعر صرف الدينار على 5.6 شيكل، ما يزيدُ الأقساطَ بنسبة 12%؛ الأمر الذي بررته الإدارة بأنّه اضطراريٌ يهدف إلى ضمان استمرار تأدية الجامعة لرسالتها، وهو لا يحل الأزمة الماليّة وإنما يخفف منها، وذلك في ظل تراجع مساهمة الحكومة في ميزانية الجامعة، حيث كانت المساهمة في العام 2008 حوالي 2.3 مليون دينار أردني، بينما بلغت في هذا العام ما يقارب 200 ألف دينار.
طوال تلك الفترة لم تحرك الحكومة ساكنًا، واكتفت عبر بعض الوزراء بلعب دور الوسيط، وعبر الناطق الحكومي بلعب دور المعلّق السياسي أو المراسل الصحافي الذي يقف على الحياد وينقل الأخبار، ويبشر غالبًا بقرب انتهاء الأزمة خلال ساعات أو أيام. لا يمكن أن تتحول الحكومة إلى وسيط في مسألة يفترِض عليها واجبها أن تتحرك لوقف إغلاق الجامعة وجنزرتها، لا أن تعتبر ذلك مسألة داخليّة في الجامعة لا تتطلب التحرك، ما يمكن تفسيره في أحسن الأحوال سوء تصرف، وفي أسوئها تواطؤًا.
إن استمرار إغلاق الجامعة، بالرغم من كل ما يثار على إدارتها من ملاحظات محقّة أو غير محقّة، طوال تلك المدة، وفي ظل بقاء الحكومة مكتوفة الأيدي؛ أمرٌ غير مبرر ولا مفهوم ولا معقول.
هل تنتظر الحكومة ورئيسها، رئيس جامعة النجاح لفترة طويلة، أن تتقدم الجامعة – أبرز منارات العلم ومنابر الحريّة وقلاع الوطنيّة - ببلاغ وشكوى إلى النائب العام، أم ماذا تنتظر؟
قد يقول قائل، لا بد من البحث عن الأسباب التي دفعت الطلبة إلى القيام بهذا العمل غير المقبول، والرد على هذا القول يكون من خلال فتح أبواب الجامعة أولًا، ومن ثم الحوار والبحث عن حل للمشلكة الطارئة، وبعد ذلك عن الأسباب والجذور التي أدت إلى هذا الوضع، وتقديم العلاج الكفيل بعدم تكراره لاحقًا، بما في ذلك التوقف أمام مدى صحة قرارات الإدارة السنويّة برفع الأقساط، سواء في جامعة بيرزيت أو غيرها من الجامعات، وهل الحل يكون بزيادة أعداد الطلبة وزيادة النفقات على حساب نوعيّة التعليم؟، والبحث في أسباب وجذور تراجع التعليم بشكل عام، والتعليم العالي بشكل خاص، وهل يتعلق الأمر بالمناهج أو الإدارة أو عدم ربط التعليم بالاحتياجات، أو عدم تخصيص الحكومة للموازنات المطلوبة لدعم التعليم، ولو من خلال تخفيض ما يحصل عليه الأمن من نسبة مرتفعة من موازنة الحكومة وتخصيصه للتعليم، أو لعدم قيام المجتمع، خصوصًا القطاع الخاص بقسطه، وتحديدًا لأن الأفراد وأهالي الطلبة والمؤسسات التعليميّة تستثمر في التعليم من أجل رفد القطاع الخاص بالمؤهلين من دون أن يقدم كل المطلوب منه لدعم التعليم، أو لعدم توازن التعليم المهني والأكاديمي، بحيث يطغى الأكاديمي في ظل افتقار البلد إلى المهنيين في جميع المجالات ومع تضخم عدد الخريجين الذين لا يجدون عملًا ويدخلون إلى سوق البطالة؟
لماذا يختار مجلس الطلبة المنتخب ديمقراطيًّا أسلوبًا غير ديمقراطي على الإطلاق، وهو بمقدوره أن يلجأ إلى الإضراب السلمي الذي يقوم على إقناع الطلبة بالمشاركة طوعًا في الإضراب وليس بإغلاق الجامعة ومنعهم من الدراسة؟
الجواب على هذا السؤال يمكن أن نجده في أن هناك استسهالًا لدى مجلس الطلبة ينبع من أن إغلاق الجامعة تكرر سابقًا ومر مرور الكرام، فالحكومة لم تتحرك والمجتمع بالإجمال غير مبالٍ، ومن أن مجلس الطلبة مطمئن إلى أن الشرطة والأجهزة الأمنيّة لن تتحرك لإنهاء إغلاق الجامعة رغم عدم قانونيته، مثلما تفعل مثلًا في منع مظاهرات يشارك فيها نواب وأعضاء لجنة تنفيذيّة من الذهاب للتظاهر أمام مقر الرئيس، بالرغم من أن هذا حق يكفله القانون، فلا يوجد ما يمنع من التظاهر أمام مقر الرئيس أو رئيس الحكومة.
وقد يكون الجواب بأن مجلس الطلبة لا يضمن - وهذا مفترض أن يكون مستبعدًا - إذا وافق على فتح الجامعة تجاوب معظم الطلبة مع دعوته إلى الإضراب؛ بدليل أن 83% من الطلبة قد سددوا أقساطهم، وأن غالبيّة الطلبة الآخرين الذين قدموا طلبات لمساعدتهم قد حصلوا عليها، خصوصًا بعد قرار إدارة الجامعة بقبول الطلبة المحتاجين منذ البداية وليس بعد الفصل الأول كما كان يحدث سابقًا، وذلك تطبيقًا لشعار التعليم للجميع.
يقول قائل آخر: إن فتح الجامعة من دون تراجع الإدارة عن قرار رفع الأقساط يكسر هيبة مجلس الطلبة، خصوصًا بعد قرارات بفصل عشرة طلاب، وحماية هذه الهيبة هي التي دفعت جميع الكتل الطلابيّة في المجلس (بالرغم من عدم اقتناع بعضها، وربما معظم أعضاء مجلس الطلبة) والمجالس الطلابيّة في الجامعات الأخرى للتضامن مع مجلس الطلبة في جامعة بيرزيت.
في المقابل، فإن تراجع الجامعة عن قرارها تحت سيف الإغلاق ومن دون حل الأزمة الماليّة يمكن أن يسقط الجامعة ويجعل مستقبلها غير معروف، لأن أي طالب أو مجموعة طلبة بمقدورهم في المستقبل أن يرفضوا أي قرار ويقومون بإغلاق الجامعة، ما يجعل إدارة الجامعة خشخيشة، وهذا سيضر بالتعليم أيما ضرر.
مبادرات الحل
الوساطات والمبادرات التي قدمها وزير التعليم العالي ووزير الداخليّة ونقابة العاملين في الجامعة تقوم على جوهر واحد، وهو فتح الجامعة أولًا، على أن تقوم إدارة الجامعة باتخاذ إجراءات يمكن أن ترضي الطلبة، أولها إلغاء قرار الفصل، وحتى يطمئن الطلبة لذلك يمكن ألا تبدأ الدراسة فور فتح الجامعة، حتى تكون هناك فترة للحوار لعدة أيام، فإذا توصل إلى اتفاق فأهلًا وسهلًا، وهذا ممكن جدًا، وإذا لم يتم الاتفاق فعندها يمكن أن يدعو مجلس الطلبة إلى الإضراب من دون إغلاق الجامعة.
هل ما سبق يعني أن الجامعة لم ترتكب أي خطأ؟ لا طبعًا، فبمجرد أن كل الكتل الطلابيّة في المجلس قد تضامنت مع قرار إغلاق الجامعة، بالرغم من أن بعضها أصدر بيانات في البداية وصفت العمل بأنه صبياني، يدل على أن هناك مشكلة في قرارات إدارة الجامعة والحوار والمشاركة قبل اتخاذها، فالجامعة يجب أن تعترف أن مجلس الطلبة شريك أساسي لا يمكن اتخاذ قرارات تمس الطلبة من دون حوارٍ جادٍ معه أو من دون إشراكه في الهموم والمشاكل واتخاذ الحلول، كما أنّ هناك الكثير من الشكاوي عن السياسات والقرارات التي تؤدي إلى معاملة سيئة مع الطلبة.
كما أن قرار فصل الطلبة العشرة بالرغم من أنه حقٌ وقانونيٌ إلا أنه ينقصه الحكمة، فكان على الجامعة أن تركز على المطالبة لكل الجهات الرسميّة وغير الرسميّة بأنم تقوم بواجبها بفتح الجامعة، فلم يقدم فصل الطلبة أي حل، بل زاد الأزمةَ التهابًا، وخصوصًا أنه اتُّخِذ مبكرًا وقبل استنفاذ الجهود للحل.
إنّ عدم تحرك الحكومة لفتح الجامعة، وعمليّة التسييس التي رافقت الأمر برمته يمكن أن توحي بأن أحد جذور المشكلة ليس الأقساط وقرارات الفصل، وإنما النفوذ السياسي لهذا الفصيل أو ذاك في إدارة الجامعة ومجلس أمنائها.
وهذا إن كان صحيحًا فهو أمرٌ مقلقٌ، لأنّ الأحزاب والفصائل ليس دورها في قيادة مؤسسات تعليميّة أو غيرها، وإنما بالتوعية السياسيّة والوطنيّة والتنظيم وقيادة الصمود والمقاومة والتحرك السياسي، وما من مؤسسة قادها فصيلٌ سياسيٌّ بعيدًا عن معايير الكفاءة والمهنيّة، خصوصًا إذا كانت تعليميّة إلا كان مصيرها بئس المصير.
يمكن أن يشارك أعضاء الفصائل في كل شيء، بما في ذلك بالشركات العامة والخاصة وإدارة الجامعات ليس بوصفهم أعضاء فصائل، وإنما بوصفهم مؤهلين وأصحاب خبرة تؤهلهم لهذه المناصب.
لا أعرف بالضبط مدى الأضرار الماديّة والمعنويّة من إغلاق الجامعة، ولكنها فادحة بكل المقاييس، خصوصًا للطلبة الجدد الذين يتحرقون شوقًا ليمارسوا حياتهم الجامعيّة. إنّ الأضرارَ كان يمكن تجنبها، وكان من الممكن أن تساهم قيمتها في حل المشكلة بدلًا من مفاقمتها.
وأخيرًا، إن الكيفيّة التي ستنتهي فيها أزمة جامعة بيرزيت ستحدد ما إذا كنا سنقرأ على جامعة بيرزيت السلام، أو بداية أفضل للمسيرة التعليميّة. فإذا انتهت تحت سيف الإغلاق وتحققت مطالب الطلبة عن هذا الطريق، فالضرر سيعم ويطم، لأن في ذلك رسالة لكل فرد في المجتمع، بأنه يمكن أن يحصل على حقه أو ما يعتقد أنه حقه بيده، وإننا نعيش في غابة، لا توجد فيها أجهزة ولا شرطة مهمتها تطبيق القانون وقواعد النظام العام، أو أن هذه القواعد تطبق على ناس وليس على كل الناس، وهذا أسوأ ما يمكن أن يحدث لنا.