حول الأزمة المالية في جامعة بيرزيت

السؤال المثير للجدل هو لماذا تبرز في بداية كل سنة دراسية أزمة تؤدي لتعطيل الدراسة والعمل في الجامعات الفلسطينية بما فيها جامعة بيرزيت. ويتم تداول موضوع الأزمة المالية بصفتها جوهر الأزمة. وفي الحقيقة هناك أزمة مالية تعصف بالجامعات الفلسطينية ولطالما تم تغطية الأزمة بحلول مؤقتة دون حلها حلا جوهريا مرة وللأبد. تعود جذور الأزمة لارتفاع مستمر في التكاليف التعليمية والتشغيلية للتعليم العالي بفعل عوامل متعددة أهمها:

غلاء المعيشة وانعكاس ذلك على رواتب العاملين التي تشكل أكثر من 80% من التكلفة،
وثانيا بسبب تطبيق اتفاقية الكادر (سلم الرواتب) التي تم التوصل إليها بمشاركة نواب من المجلس التشريعي بين مجلس التعليم العالي واتحاد نقابات العاملين في الجامعات الفلسطينية وانعكاسات هذه الاتفاقية على ارتفاع الرواتب من جهة وعلى ازدياد مدفوعات نهاية الخدمة ومساهمة الجامعة في صندوق التوفير بشكل كبير بسبب طريقة حساب مدفوعات نهاية الخدمة التي تضمنتها هذه الاتفاقية.
ثم جاءت اتفاقية تعويض العاملين عن انخفاض سعر الدينار مقابل الشيقل الإسرائيلي والتي أضافت إلى العجز المالي في موازنة الجامعة مثل غيرها من الجامعات، كما أضافت إلى مدفوعات نهاية الخدمة.

كل هذا في الوقت الذي لم ترتفع فيه إيرادات الجامعة من الأقساط التعليمية ورسوم التسجيل بشكل يوازي الارتفاع المستمر في تكاليف التعليم العالي.هذه الحالة أدت إلى وجود عجز مالي سنوي يقدر حاليا بأكثر من 5 مليون دينار للعام الدراسي 2012/2013، علما بأن العجز المالي استمر لسنوات طويلة ماضية ومنذ عام 2008/2009 الأمر الذي اضطر الجامعة كغيرها من الجامعات أن تستدين من صندوق نهاية الخدمة ومن صندوق التوفير وذلك لتمكين الجامعة من دفع فاتورة الرواتب بحيث وصلت المطلوبات المتأخرة على الجامعة لهذين الصندوقين حوالي 25 مليون دينار وليس بمقدور الجامعة أن تحوز على موارد تمكنها من سد هذا العجز الكبير. وليس من باب تضخيم الأمور القول بأن الجامعة على حافة انهيار مالي إن لم تقم باتخاذ ما يلزم من إجراءات لوقف هذا الاتجاه. وعمليا لا تستطيع الجامعة تأمين رواتب أربعة شهور على الأقل من الرواتب السنوية، والحقيقة أن هذا العجز من حيث منشأه من جهة ومن حيث حجمه من جهة أخرى يجعل حل الأزمة المالية أمرا يجب أن يقع عبؤه على جهات ثلاث ويجب أن تتضافر جهودها للتغلب على هذه الأزمة، وهذه الجهات هي الجامعة (إدارة وعاملين وطلبة)، وبشكل خاص الحكومة، والقطاع الأهلي وقطاع الأعمال.
أولا من ناحية الجامعة: الجامعة تفعل كل ما بوسعها وستواصل ذلك انطلاقا من رسالتها وتفي بوعودها
على الجامعة أن تقوم بضبط النفقات والتضخم في الجهاز الإداري وزيادة الكفاءة في إدارة العملية الأكاديمية وهو أمر يتطلب تعاون العاملين فيها، وزيادة مساهمة الطلبة في تغطية جزء من تكاليف العملية التعليمية. وفي الحقيقة قامت إدارة الجامعة بتجميد التوظيف في الجهاز لعامين متتالين وسيستمر التجميد في العام الأكاديمي 2013/2014 باستثناء زيادة التوظيف في عدد أعضاء الهيئة التدريسية من حملة الدكتوراه لضمان النوعية التعليمية الجامعية ذات المستوى الرفيع الذي ارتضته الجامعة لنفسها ويخدم مستقبلها ومستقبل خريجيها، وكذلك استحداث التوظيف في مكتب تعزيز الموارد الذي يخطط وينفذ خطط زيادة قدرة الجامعة على استقطاب الدعم المالي لتطوير الجامعة من جهة، ولزيادة حجم المنح والمساعدات الطلابية لتمكين الطلبة من متابعة دراستهم رغما عن ظروفهم المادية الصعبة. ولقد اثمرت هذه السياسة بحيث ازداد حجم القطاع الأكاديمي إلى حجم الجهاز الإداري لنسبة لا تتوفر لكثير من الجامعات المحلية، وستواصل الجامعة خططها لزيادة الكفاءة في إدارة العملية التعليمية من خلال نماذج العمل بنظام المحاضرة/النقاش وغيرها من الابتكارات المعروفة. كما قلصت الجامعة نفقاتها على بعض الخدمات عن طريق تضمينها للقطاع الخاص حيثما ثبت أن هذا القطاع أكثر كفاءة في إدارة بعض الخدمات كالنظافة وتقديم الطعام، كما تواصل الجامعة جهودها لتحقيق تعاون مشترك مع القطاع الخاص في استثمارات تعود بالنفع على كل منهما، غير أن هذه الجهود تواجه صعوبات جمة خارجة عن إردة الجامعة ولا توفر حلولا سريعة وتأمل الجامعة أن يتم تذليل هذه الصعاب لخلق فرص استثمارية مفيدة للجامعة والمجتمع. وأخيرا وللتغلب على مشكلة دفع الرواتب التي تحسب بتثبيت سعر الدينار مقابل الشيقل (5.6 شيقل للدينار) الناجمة عن الاتفاقية الأخيرة التي تم توقيعها مع نقابة العاملين منذ أكثر من ثلاث سنوات كان لا بد من أن تتقاضى الجامعة الرسوم والأقساط التعليمية بنفس الطريقة. ولقد أدركت الجامعة حتى قبل اتخاذها لهذا القرار الصعب أنه ستكون له انعكاسات على الطلبة غير المقتدرين ولذلك قررت الجامعة زيادة عدد وحجم المساعدات المالية لهؤلاء الطلبة بحيث لا يكون عدم القدرة المالية مانعا لهم من إكمال تعليمهم الجامعي. فلقد أوفت الجامعة بوعدها عن العام الدراسي 2012/2013 حيث زادت قيمة هذه المساعدات بمقدار 280 ألف دينار (أي بزيادة 80 ألف دينار زيادة على ما وعدت به) لتبلغ القيمة الإسمية لمجموع المنح والإعفاءات من الأقساط التعليمية حوالي 1.8 مليون دينار سنويا (في حين تتجاوز القيمة الفعلية لها المليونين ونصف)، كما زاد عدد المستفيدين من الطلبة أكثر من 800 طالب ليبلغ مجموع المستفيدين في الفصل الواحد أكثر من 2500 طالب. وستزيد الجامعة هذه القيمة للعام الحالي بحوالي ربع مليون دينار آخر لتميكن من لن يتمكنوا من تسديد كامل الأقساط التعليمية. وفي الحقيقة تبدو آفاق الحصول على دعم لصندوق المنح الطلابية جيدة وستتواصل بمشاركة مجلس الطلبة.
ثانيا: على الحكومة أن تزيد من مخصصات التعليم العالي
وفي الحقيقة لقد تراجع الدعم الحكومي للتعليم العالي بشكل كبير منذ عام 2008، وعلينا أن نتذكر ما يلي: يجب إعادة الاعتبار للتعليم العالي بصفته خيرا عاما (Public good) وخصوصا في عصر اقتصاد المعرفة حيث ليس أمام فلسطين فرصة للمنافسة دوليا إلا إذا استثمرت استثمارا عاليا في مواردها البشرية وهو المورد الأهم الذي تمتلكه. وكان آخر مجلس تشريعي منتخب قد قرر أن يكون حجم الدعم الحكومي للجامعات العامة 40 مليون دولار سنويا، ولقد تضاءل هذا الدعم بقرارات من الحكومات المتعاقبة ليصل إلى حوالي 14 مليون دولار سنويا! في وقت يتسع فيه التعليم العالي من جهة وتزداد تكاليفه التشغيلية بشكل كبير سنويا. وليس من المعقول أن يستمر هذا الاتجاه، وعلى الحكومة أن تعيد ترتيب الأولويات بشكل يجعل التعليم في أعلى سلم الأولويات وليس في أدناها! وعليها البحث عن طرق لتعويض الجامعات عن العجوزات المالية التي تتم تغطيتها بسبب تقليص هذا الدعم إذا أردات تجنيب هذه الجامعات الانهيار المالي.
ثالثا: على القطاع الأهلي وقطاع الأعمال أن يزيد من مساهمته في دعم التعليم العالي
أيضا وانطلاقا من موضوعة رد الاعتبار للتعليم العالي بصفته خيرا عاما يجب أن يدرك القطاع الأهلي وقطاع الأعمال أن التعليم العالي له مردود إيجابي على المجتمع بشكل عام وعلى قطاع الأعمال بشكل خاص، فالأفكار التي تولد في الجامعات تجد طريقها إلى التطبيق لاحقا وفي العادة بعد وقت طويل ولذلك يجب أن تتضافر جهود القطاع الأهلي وقطاع الأعمال مع الجامعة لتمكين الأفكار والابتكارات من التطبيق، وهذا يتطلب توفير الموارد المالية للجامعات عامة جامعة وبيرزيت بشكل خاص لتمكينها من عمل الفارق في حياة المجتمع الفلسطيني بتطبيق برامج أكاديمية ذات علاقة وببرامج بحثية وتطبيقية تساعد الصناعات المحلية على المنافسة والمجتمع المحلي على الرقي ثقافيا وفكريا. ومن المفيد في هذا الإطار تعزيز فكرة تقديم أموال الزكاة لدعم الطلبة غير المقتدرين والمتفوقين، وتعزيز فكرة مكافحة الفقر لذوي الأفكار التقدمية من خلال تطوير التعليم العالي وإتاحته لغير المقتدرين. ولقد تشكلت نواة لوقفية لهذا الغرض بتمويل من أمير قطر ويمكن أن يتم تطوير هذه الوقفية من كافة المقتنعين بحاجة المجتمع الفلسطيني إلى جامعات راقية ومتطورة، كما أنه لا بد من زيادة حجم التبرعات لصندوق المنح وصندوق إقراض الطلبة في وزارة التربية والتعليم العالي.
وهل من الضروري أن تؤدي الأزمة المالية إلى إغلاق الجامعة؟
ليس هذا قدر ويجب عمل كل ما يمكن لتجنيب الجامعة من الأضرار الجمة التي ستلحق بها بسبب إغلاقها من قبل الحركة الطلابية. فالإغلاق يلحق الضرر بالطلبة إذ يؤخر تخرجهم ويلحق الضرر بخططهم الدراسية. كما يعمق الإغلاق من الأزمة المالية لأنه يطيل عمر السنة الدراسية ويزيد بالتالي من تكاليفها. تعرض الجامعة توفير شبكة أمان للطلبة غير المقتدرين، ولقد بادرت الجامعة إلى مبادرتين هامتين ليس لهما مثيل في البلاد: فأولا قررت الجامعة بأن كل طالب تم قبوله في الجامعة وكان لديه ما يتثبت انتماءه لأسرة مسجلة لدى وزارة الشؤون الاجتماعية أو وكالة الغوث سيتم توفير مساعدة مالية بحيث يتمكن من الالتحاق بالجامعة كما أنها قررت أن كل من يعاني من ضائقة مالية من الطلبة الجدد التقدم بطلب للمساعدة المالية سيتم القرار بشأنها قبل نهاية الفصل الأول ليدخل أثرها مع بداية الفصل الثاني، وثانيا قررت الجامعة أن كل طالب لديه معدل 95% في امتحان الشهادة الثانوية (التوجيهي) ولم يتمكن من الالتحاق بأية جامعة سيكون بإمكانه التقدم بطلب للجامعة وعند قبوله سيتم توفير منحة مالية له تغطي الأقساط التعليمية للسنة الأولى إذا كان من ذوي الحالات الاجتماعية المسجلة لدى وزارة الشؤون الاجتماعية أو وكالة الغوث على أن يستحق منحة التفوق الأكاديمي بعد السنة الأولى (أي بمجهوده الذاتي). كما قررت الجامعة أنها ستقوم بتوفير شبكة أمان لغير المقتدرين من الطلبة، وستفي الجامعة بوعودها كما وفت بها دائما. لقد قام الجزء الأعظم من طلبة الجامعة بدفع ما عليهم من أقساط تعليمية تغطي حوالي 60% من التكلفة التعليمية فقط، وبقي عدد يقل حتى عن عدد المستفيدين من المنح الدراسية والإعفاءات التي تقدمها الجامعة وهو في حدود توقعاتها ما سيجعل حل المشكلة المالية لهؤلاء في حدود الممكن. كما تشترط الجامعة على المستفيدين من المنح من الطلبة القدامى بالتقدم بطلب للحصول على قرض من صنودق إقراض الطلبة في وزارة التربية والتعليم العالي، وفي الواقع سيكون التوجه للقروض مجديا أكثر في المستقبل وذلك لتدوير المساعدات المالية من جيل لآخر بحيث يستطيع من استفادوا من التعليم أن يقدموا يد المساعدة للجيل اللاحق. كما تقوم الجامعة بالتحاور مع مجلس الطلبة وتطلب من المجلس تحمل مسؤولية مساعدة الجامعة على تخطي أزمتها وليس تعميقها. نعم ليس إغلاق الجامعة بقدر على الجامعة وليتحمل كل مسؤولياته في تجنيب الجامعة مزيدا من التكاليف هي في غنى عنها. ولقد ضمن القانون حق الإضراب ولكنه لم يضمن مخالفته لأحد بإغلاق المؤسسة. وحري بنا أن نعمق الفهم القانوني ومستلزماته لدى الطلبة.
nbsp;
د. عادل الزاغةنائب الرئيس للشؤون الإدارية