إغلاق جامعة بيرزيت الوجهة القانونية والتمثيلية والأخلاقية

إنما أردت الكتابة في هذا الموضوع لا بوصفي عضو إدارة في مجلس جامعة بيرزيت، ولا بوصفي عميدا لكلية الآداب، وإنما بوصفي أستاذا جامعيا مطلعا أيما اطلاع على وضع الجامعة المالي والإداري والأكاديمي، وعلى حقيقة ما يجري حقا.
والحق أنني تفاجأت أيما مفاجأة من تصرف بعض الطلبة المتسرع الجائر المتمثل في إغلاق بوابات الجامعة، ومنع أسرة مجتمع الجامعة من الدخول إليها: طلبة وأساتذة وموظفين، وفي هذا السياق المؤسف والمقلق أرغب في الوقوف عند ظاهرة إغلاق الجامعة من ثلاث وجهات: أولاها القانونية، وثانيتها التمثيلية، وثالثتها الأخلاقية والمهنية.
أما من حيث الوجهة القانونية فالإغلاق غير قانوني أبدا، وهو -من وجهة نظري- خطوة تعسفية، وظاهرة يجب العمل على تحريمها والقضاء عليها؛ إذ كيف تمنع أسرة كاملة؛ أسرة جامعة بيرزيت من الدخول إلى الجامعة، ومن الشروع في العام الدراسي الجديد، ومن حرمان عشرة آلاف طالب تقريبا من الجلوس على مقاعد العلم والدراسة؟؟
أما من حيث الوجهة التمثيلية فالإغلاق لم يُبنَ على تصويت كل الطلبة، ولم يحظ بالمقبولية، بل لا يمثل رأي الطلبة كلهم أبدا، ذلك أن جل الطلبة أنهوا معاملاتهم المالية، ودفعوا ما ترتب عليهم من رسوم وأقساط، وبعضهم أعفي من القسط، وبعضهم دفع الحد الأدنى، وبعضهم قسط المبلغ المترتب عليه وفقا لآليات التسهيل والتيسير على الطلبة المقتدرين وغير المقتدرين في الجامعة.
أما من حيث الوجهة الأخلاقية والمهنية فالإغلاق ليس كذلك، نعم إن الإضراب حق مشروع، وتوجه نقابي حميد في صورته العامة، ولا يملك أحد أن يمنعه أو أن يحول دونه، وقواعد الاشتباك تبيحه وترتضيه إذا ما ظل محصورا ضمن ما هو متعارف عليه نقابيا وسلميا. أما الإغلاق فهو بخلاف ذلك كله، فليس له أي مسوغ مهني أو أخلاقي.
أما النظر إلى هذه الأزمة من زاوية رفع الأقساط فقط فذلك مدفوع من زوايا أخريات، ومنها أنها في حقيقتها ليست مسألة رفع للأقساط، بل هي مسألة تثبيت سعر صرف الدينار على الشيكل أخذا وعطاء للجامعة وعليها، أخذا من الطلبة، وعطاء لكل موظف في الجامعة سواء بسواء.
أما تبني الجامعة شعار التعليم حق للجميع فإنما هو مبني على القول المقرون بالعمل، فهناك إحصاءات تبرهن ذلك وتقويه، فقد التزمت الجامعة بما وعدت به، بل أكثر مما وعدت لما رفعت الأقساط في بداية العام 2012-2013، ولذا قررت زيادة المنح والإعفاءات بمبلغ قدره 200 ألف دينار، والذي قامت بدفعه هو 277.631 (ثلاث مئة ألف دينار تقريبا). وكان عدد الطلبة المستفيدين 820 طالبا.
أما القول بأن هذا سيفضي إلى حرمان الطلبة من الدراسة، فهذا مدفوع من زوايا متباينة، إذ إن الجامعة تتبنى الشعار القائل التعليم حق للجميع، وأسأل نفسي وغيري من أبنائنا الطلبة: هل سمعنا بأن طالبا قد فصل أو حرم من الدراسة لأنه لا يملك القسط الجامعي، أو لأنه غير مقتدر ماليا؟ لا لم يكن ذلك أبدا من قبل، ولن يكون ذلك من بعد أبدا أبدا إن شاء الله، ومما يعزز قولي هذا أن الجامعة - ولأول مرة- ستقوم بدراسة حالات الطلبة المستجدين قبل دخولهم الجامعة، وستقدم مساعدة لمن كان محتاجا إليها، أما في السابق فقد كان هذا النظام ينطبق على الطلبة بعد إنهاء الفصل، والباعث على هذا التغيير الإجرائي هو إزالة العوائق كلها أمام أي طالب وفاء بالشعار العريض الذي تتبناه الجامعة: التعليم حق للجميع.
لذلك كله أو بعضه مما تقدم، ومن باب المصلحة الوطنية العريض، ومن باب الحفاظ على جامعتنا الأم الجامعة، وكل جامعاتنا الوطنية الزاهرة المحفوظة، أدعو أحبائي وإخواني الطلبة الذين قاموا على هذا الإغلاق أن يرجعوا إلى أنفسهم قليلا متفكرين، وأن يعيدوا على صاغي سمعهم ما ألقيه عليه من دعوة صادقة، وأن ينظروا إلى أن إغلاقهم للجامعة إنما هو قرار عجل قلق لا يصح في الفهم، ولا يصمد أمام النقد، ولا يقبل من وجهة قانونية وتمثيلية ومهنية أخلاقية، فطوبى لمن أخطأ وتراجع، وطوبى لمن ألقى السمع بأذن واعية يلقيها عليه أخ حميم، أو أب رحيم... طوبى لكم إن أنتم فعلتم ذلك.
د. مهدي عرارعميد كلية الآداب